جريمة إصدار شيك بدون رصيد: لا للمؤاخذة الجزائية…نعم للتسوية!

Photo credit: http://www.crawfordadvisors.com Photo credit: http://www.crawfordadvisors.com

الأوراق التجارية هي سندات قابلة للتداول ممثلة دينا نقديا مستحق الدفع بمجرد الاطلاع بالنسبة للشيك خاصة أو قد يكون بعد أجل معين يكون قصيرا عادة ويجري العرف على قبولها كأداة وفاء.

ويمكن نقل ملكيتها من شخص لآخر بتظهيرها وبمجرد تسليمها بغير حاجة إلى إجراء آخر يعطل تداولها أو يجعلها متعذرة وقد تكفل القانون التجاري بضبط أحكامها  وتحديد قيمتها القانونية وأهمها الكمبيالة والسند للأمر والشيك. ونحن قبل دراستنا للشيك بصورة مفصلة من الوجهة القانونية الحالية لا بد لنا من دراسته من الناحية  التاريخية ولو في عجالة فالشيك عرفه العالم الاسلامي منذ القرن الرابع للهجرة.

فقد روى الهمذاني بأن سيف الدولة لما ورد إلى بغداد دخل أحد الدور في خاقان وفيها فتيان فشرب معهم وسمع منهم وخدموه وهم لا يعرفونه.

فكتب ورقة لهم وتركها لهم في الدواة ولما انصرف فتحوا الدواة فإذا في الرقعة ألف دينار على بعض الصيارف، فتعجبوا وحملوا الرقعة وهم يظنونها ساذجة فأعطاهم الصيرفي الدنانير في الحال فسألوه عن الرجل، فقال ذلك سيف الدولة بن حمدان.

ولقد اهتدى علماء الاقتصاد والتّجارة بداية من القرن السّابع عشر للميلاد بإنقلترا إلى اكتشاف سند الشّيك كأداة وفاء تقوم مقام النّقود في المعاملات الماليّة ثمّ انتقل هذا السّند إلى مختلف بلدان العالم ممّا أدّى إلى تطوّر التّعامل به في أغلب العمليّات الماليّة وحلّ محلّ الأوراق النّقديّة عند الوفاء بمختلف الالتزامات المدنيّة.

هكذا يتبيّن مبدئيا أنّ هذه الوسيلة المستحدثة في الوفاء تفترض قيام علاقة قانونيّة بين أشخاص ثلاثة. فالشّخص الأوّل وهو الدّائن، والّذي يستوفي حقّه بواسطة الشّيك يسمّى المستفيد، أمّا الشّخص الثّاني والّذي يوفي بقيمة الشّيك لهذا المستفيد فيسمّى في الاصطلاح القانوني، المسحوب عليه ويفترض أن يكون مدينا بمبلغ الشّيك لفائدة المدين الأصلي الّذي يسمّى السّاحب.

 وعلى ضوء هذه البيانات تبلور المفهوم العصري للشيك ليصبح ذاك السند الّذي اتّخذ مفاهيم متنوعة وقد جرى العمل على استعمال اللغة الفرنسية في تسمية هذه الوسيلة بلفظ chèque وأصبح اللفظ متداولا بهذه الصورة في معظم بلاد العالم فأصبحت له دلالة عالميّة.[1]

ولقد آثر المشرّع التّونسي السكوت عن تعريف الشيك وتحديد ماهيته مقتصرا على ذكر الشروط الشكليّة التي يجب أن تـتوفّر فيه. وذلك بأن نصّ صلــب الفصل 346 من المجلّة التجاريّة (م.ت) على أنّه ” يحتوي الشيك على البيانات الآتية:

1-ذكر كلمة شيك مدرجة في نصّ السند نفسه باللّغة الّتي كتب بها.

2-التوكيل المطلق المجرد بدفع مبلغ معين.

3-اسم الشّخص الّذي يجب عليه الدّفع (المسحوب عليه).

4-تعيين المكان الذي يجب فيه الدّفع.

5- تعيين تاريخ إنشاء الشيك ومكانه.

6-توقيع من أصدر الشيك (الساحب).”

ومن الممكن أن نلتمس عذرا للمشرّع التونسي في عدم تعريفه للشيك، خاصة مع الديناميكية التي تطغى على الحياة العملية، ورغبة المشرّع في عدم حصر مفهوم الشيك في تعريف جامد لا يتماشى وروح العصر المتطوّر.

 ولقد ذهب الفقهاء مذاهب شتّى في تعريف الشّيك، من ذلك أن عرّفه بعض الفقهاء بأنّه تلك الورقة التي تتضمّن أمرا يصدر من شخص هو الساحب إلى شخص آخر هو المسحوب عليه بأن يدفع لإذن شخص ثالث الذي هو المستفيد مبلغا معيّنا من المال بمجرّد الإطّلاع [2].

 وفي غياب التعريف القانوني للشيك درج فقه القضاء التونسي على تعريفه “بأنّه الصكّ المحرّر وفق بيانات إلزاميّة حددها القانون التجاري ويتضمّن أمرا يصدره الساحب إلى المسحوب عليه بدفع مبلغ معيّن من المال لفائدة المستفيد لدى الاطّلاع “.

 وتعتبر ورقة الشيك من أهمّ الأوراق التجاريّة التي اهتمّ بها المشرّع التونسي وذلك لما لهذا السند من أهميّة بالغة من الناحية التجاريّة والاقتصاديّة، لذلك فقد قام بتجريم كلّ خلل يرتكب على ورقة الشيك وقد احتلّت في هذا النطاق جريمة إصدار شيك بدون رصيد صدارة اهتمامات المشرّع التونسي وذلك لما للرصيد من تأثير على الثقة في التعامل بالشيك.

فانعدام الرصيد لا يترتّب عليه بطلان الشيك كورقة تجاريّة، بل يبقى الشيك صحيحا ومنتجا لآثاره القانونيّة ومنها التزام الساحب بالوفاء بقيمته.[3]

وتتحقّق جريمة إصدار الشيك بدون رصيد، إضافة إلى وجود سند الشيك كمحلّ للجريمة بإصدار ذلك السند، ذلك أنّ عنصر الإصدار هو أساس الركن المادي لهذه الجريمة لذلك يجب تمييزه عن غيره من الأعمال الماديّة التي لا تمثّل إصدارا ونقصد بذلك إنشاء الشيك الذي يمثّل مجرّد النشأة الماديّة للشيك أي تحريره طبق الصيغ التي حدّدها القانون التجاري، دون أن يرقى ذلك العمل إلى عمليّة الإصدار التي جرّمها المشرّع إذا لم يكن للشيك رصيد.

ولقد قضي بأنّ الإصدار يتمّ بمجرّد إعطاء الساحب الشيك للمستفيد مع علمه بأنّه ليس هناك رصيد قابل للسحب في تاريخ الاستحقاق، إذ يتمّ بذلك طرح الشيك في التداول فتعطف عليه الحماية القانونيّة التي أسبغها المشرّع على الشيك، بالعقاب على هذه الجريمة باعتباره أداة وفاء تجري مجرى النقود في المعاملات.[4]

وبالتالي فإنّ إصدار الشيك لا يمثّل جريمة إلاّ إذا اختلّ وجود الرصيد لدى المصرف المسحوب عليه، ويعتبر عنصر الرصيد ركنا متغيّرا في هذه الجريمة حيث يأخذ عدّة صور حدّدها الفصل 411 م.ت وهي انعدام الرصيد أو انقضائه، سحب الرصيد كليّا أو جزئيّا بعد إصدار الشيك وأخيرا التحجير على المسحوب عليه خلاص الشيك إذا لم تتوفّر شروطه القانونيّة .

انّ أوّل قانون يتعلّق بالشيك بصفة عامّة في تونس يتمثّل في الأمر المؤرّخ في 30 ديسمبر 1923 الّذي نقّح بالأمر الصادر في 22 أكتوبر 1953. وبموجب هذا التنقيح اعتبرت جريمة إصدار شيك بدون رصيد سابق عن سـوء نيّة مشبّهة بالتحيّل ويعاقب مرتكبها بالعقوبات المنصوص عليها بالفصل 291 من المجلّة الجزائيّة ولم تدخل تعديلات جوهريّة على جريمة الشيك بدون رصيد بمجرّد صدور المجلّة التجاريّة سنة 1959.

 إلاّ أنّ الفصل 411 منها سكت عن عنصر سوء النيّة وهو ما أدّى إلى اعتبار هذه الجريمة من الجرائم الماديّة، لكن تمّ تنقيح هذا الفصل بالقانون عدد 31 لسنة 1970 المؤرّخ في 03 جويلية 1970 الذي أصبح يشترط إثبات ركن سوء النيّة لقيام المسؤوليّة الجزائيّة للساحب.

 هذا الأمر سمح للعديد من المتحيّلين من التفصّي من هذه المسؤوليّة ممّا أدّى بالمشرّع إلى تنقيح نفس الفصل من جديد بموجب القانون عدد 46 لسنة 1977 المؤرّخ في 02 جويلية 1977 وتمّ بالتالي إلغاء ركن سوء النيّة وإدخال تعديلات جوهريّة على جريمة الشيك بدون رصيد أهمّها إمكانيّة إجراء التسوية.

ويقصد بالتسوية قيام ساحب الشيك بخلاص المبلغ المضمن به والمصاريف ومعلوم الخطيّة قبل انقضاء أجل معيّن من تاريخ إعلامه بعدم أداء مبلغ الشيك.

لقد تدخّل المشرّع لمجابهة الآثار السلبيّة لهذه الجريمة من خلال تنقيح الأحكام الجزائيّة المتعلّقة بالشيك بمقتضى القانون عدد82 لسنة 1985 المؤرّخ في 11 أوت 1985 الذي تضمّن عدّة عناصر جديدة منها تطوير التدابير الوقائيّة والتوسيع في المسؤوليّة المدنيّة والجزائيّة للمصرف المسحوب عليه.

وبالرغم من أهميّة هذه الإجراءات على المستوى النظري إلاّ أنّها لم تكن كافية للحدّ من تفاقم ظاهرة الشيك بدون رصيد وما يترتّب عنها من آثار سلبيّة على الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة في البلاد. ممّا أوجب على المشرّع التدخّل من جديد ليصدر عفوا تشريعيّا بالقانون عدد 99 المؤرّخ في 18 أوت 1988 وكذلك القانون عدد 100 لسنة 1988 المؤرّخ في 18 أوت 1988 وقد تضمّن هذا التنقيح تعديل أجل التسوية قبل انطلاق التتبّع وقبل أن تتعهّد المحكمة المختصّة وذلك في أجل شهر من انتهاء الأجل الأوّل للتسوية.

لكنّ المشرّع تدخّل مرّة أخرى في 03 أفريل 1996 وأعاد تنظيم إجراءات التسوية فرفّع في أجل التّسوية القضائيّة من شهر إلى ثلاثة أشهر ينطلق سريانها من تاريخ انقضاء الأجل الأوّل على أن تتمّ التسوية قبل صدور الحكم إضافة إلى الرجوع في الخطيّة المستوجبة من 50 الى 20 بالمائة.


وفي هذا الإطار يمكن طرح الإشكاليّة التالية: كيف نظّم المشرّع التونسي جريمة إصدار شيك بدون رصيد؟

للإجابة على الإشكاليّة سنتطرّق في (فقرة أولى) إلى أركان الجريمة، وفي (فقرة ثانية) إلى إجراءات التسوية.

الفقرة الأولى: أركان الجريمة:

لا تتحقّق جريمة شيك بدون رصيد إلاّ إذا توفّرت أركانها لذلك سنتناول في (ا) الركن المادّي وفي (ب) الركن المعنوي.

(أ) الركن المادّي:

يتعلّق الأمر هنا بإصدار الشيك وانعدام الرصيد أو نقصانه.

فالركن المادّي  بالنسبة لجريمة إصدار شيك بدون رصيد يعتمد من الناحية العمليّة على كتابة الشيك من قبل الساحب وتسليمه للمستفيد سواء مباشرة أو عن طريق وكيله أو إرساله له عن طريق البريد وبذلك يتخلّى الساحب عن حيازة الشيك ويسلّمه إلى المستفيد وتنتقل ملكيّة الأموال المدرجة به إلى هذا الأخير باعتبار, أنّ الشيك أداة وفاء فوري يقوم مقام النقود في المعاملات الماليّة.
هذا ويكتمل النشاط الإجرامي لمصدر الشيك من الناحية الماديّة عند امتناع البنك المسحوب عليه الشيك من الوفاء بقيمته لخلو رصيد قائده من مقابلي الوفاء أو نقصانها والاعتراض على خلاصه من قبل هذا الأخير في غير الصور المسموح بها قانونا.

غير أنّه مثلما سبق التعرّض إليه عند دراسة الناحية القانونيّة لهذه الجريمة فهناك قوانين تشترط ركنها المادي دون ركنها المعنوي فيكفي لقيامها صدور الشيك عن الساحب وامتناع البنك المسحوب عليه من دفع قيمته لعدم وجود الرصيد أو نقصانه وتخلّف الساحب عن القيام بإجراءات التسوية في آجالها المحدّدة القانونيّة بعد إعلامه بذلك بصورة قانونيّة.
من جهة أخرى ينبغي لورقة الشيك أن يكون لها مظهر الشيك ومعنى الفصل أنّها منصوص بها على جميع البيانات الشكليّة التي أتى بها الفصل  346 من المجلّة التجاريّة ومع ذلك إذا تخلّف شرط من تلك الشروط في ذلك الشيك فإنّ بعضها جعلته المجلّة المذكورة غير مبطل له وهي خلوّه من بيان مكان إصداره أو مكان الوفاء به فهو يعتبر شيكا على معنى الفصل 347 من نفس تلك المجلّة.

كما أنّه إذا خلا الشيك من بيان تاريخ إنشاءه لا ينفي عنه صفته كشيك إذ هو واجب الدفع بمجرّد تقديمه للمسحوب عليه الفصل 371م.ت.

ولا يهمّ إذا كان الشيك يحمل تاريخا لاحقا لتاريخ عرضه للوفاء إذ أنّ المشرّع اعتبره مستحقّا لأداء بمجرّد عرضه للخلاص.[5]

وفقهاء القانون الجنائي يعتبرون الشيك شيكا ولو كان باطلا في نظر القانون التجاري متى كان حاملا لمظهر الشيك وذلك حماية للشيك من كلّ سوء استعمال وعدم ترك المجال للساحب للإفلات من العقاب بدعوى وجود عيب شكلي في الشيك والحال أنّه يحمل كلّ مظاهر الشيك الصحيح والمستكمل لشروطه وهذا اعتمادا على الحالة الظاهرة له.

وهذا الموقف من الفقهاء وجد صداه في مجال العمل القضائي، فالقضاء الفرنسي سار في هذا الاتجاه بالقرار التعقيبي الصادر في 9 أكتوبر 1940 وآثر الأخذ بالحالة الظاهرة للشيك، فهو ولو كان باطلا في نظر القانون التجاري، فإنّه في نظر القانون الجزائي يعتبر شيكا ويعاقب مصدره عنه كما لو كان شيكا مكتمل الشكليّات وذلك أخذا بالحالة الظاهرة له.

هذا وأنّ الجريمة المذكورة لا يعاقب من أجلها إلاّ من أصدر الشيك دون غيره من مستعمليه. فمظهره لا يؤاخذ من أجل هذه الجريمة.

 إنّما إذا كان عالما بحالة الساحب وما أعطاه من تعليمات للمسحوب عليه من عدم خلاص قيمة الشيك فإنّه يعتبر متحيّلا ويعاقب من أجل جنحة التحيّل لإيهامه للمظهر له بأنّ لذلك الشيك رصيد والحال أنّه خال منه.

أمّا الركن الثاني من أركان جريمة إصدار شيك بدون رصيد هو انعدام الرصيد أو نقصانه يوم إنشاء الشيك وتسليمه للمستفيد، لأنّ المفروض أنّ يوم إنشاء الشيك هو يوم تسليمه للمستفيد بحيث انتقلت ملكيّة الرصيد إلى هذا الأخير من ذلك اليوم. والمهمّ أن يكون الرصيد موجودا يوم إنشاء الشيك وتسليمه للمستفيد ولا يهمّ ما إذا كان الرصيد مفقودا تماما أو انعدم بعضه فقط أو تمّ سحبه من طرف الساحب كليّا أو جزئيّا بعد تاريخ إنشاء الشيك.

 كما لا يهمّ الوضع القانوني للساحب من وجود تحجير عليه لسنّه أو إعلان إفلاسه أو إذا كان غير رشيد لكونه دون السن القانونيّة التي تخوّل له حقّ التصرّف في أمواله لأنّ العبرة بالورقة التي استعملها الساحب. فإذا كانت في مظهر شيك ولو كان ذلك الشيك باطلا لأمر خارج عن محتوياته فإنّه يعتبر شيكا لا محالة في نظر القانون الجزائي الذي يأخذ بمظهر الورقة كشيك.

هذا وكما قلنا فإنّ المعارضة في خلاص مبلغ الشيك من الساحب في غير صور الفصل 374 م .ت يعتبر بمثابة انعدام الرصيد و يوجب المؤاخذة الجزائيّة مثله مثل من لا رصيد له لأنّ العبرة بوجود الرصيد هي إمكانيّة التصرّف فيه من طرف المستفيد. أمّا إذا كان مجمّدا بفعل الساحب فإنّه يعتبر عندئذ كأنّه لم يوفّر الرصيد الذي يقابل ذلك الشيك الذي أنشأه.

(ب) الركن المعنوي : القصد الجنائي:

الجريمة تتكوّن عندما يقترن الركن المادّي بركن آخر يطلق عليه الركن المعنوي. ويحصل ذلك عندما يبرز بوضوح وجه التحدّي من جانب مقترف الجريمة بكلّ حرية وإرادة مسؤولة لمخالفة الأوامر والنواهي التي حدّدها المشرّع قصد إلحاق الضرر بالغير.

لذلك نصّت في البداية مختلف التشريعات التي تعرّضت إلى جريمة الشيك بدون رصيد على وجوب توفّر ركن سوء النية لدى الساحب عند إصداره لشيك بدون رصيد.

فالفصل337 من قانون العقوبات المصري اعتبر سوء نيّة الساحب في جريمة إصدار شيك بدون رصيد هو من الأركان الأساسيّة للمؤاخذة فقد جاء به حرفيّا” يحكم بهذه العقوبات -الحبس والغرامة- كلّ من أعطى بسوء نيّة شيكا لا يقابله رصيد قائم وقابل للسحب أو كان الرصيد أقلّ من قيمة الشيك أو سحب بعد إعطاء الشيك كلّ الرصيد أو بعضه بحيث يصبح الباقي لا يفي بقيمة الشيك أو أمر المسحوب عليه الشيك بعدم الدفع.”[6] وذهبت محكمة التعقيب التونسيّة في نفس الاتّجاه.[7]

غير أنّ هذا الركن طرأت عليه عدّة تغييرات هامّة، فتارة يعتدّ به قانونا وطورا يقع إلغاؤه صراحة أو يعتبر متوفّرا في جانب الساحب إذا أصدر شيكا واضح أن لا رصيد له ولم يقم بالتسوية في آجالها القانونيّة.

ولا يخفى على أحد أنّ أحكام الشيك عرّفتها البلاد التونسية بمقتضى الأمر المؤرّخ في 30 ديسمبر 1923 المنقّح بالأمر المؤرّخ في 22 اكتوبر 1953 الذي تحدّث لأوّل مرّة عن جنحة الشيك بدون رصيد بالفصل التاسع منه والذي اشترط لإدانة مقترفها أن يكون سيّء النيّة في إصداره لذلك الشيك. فالقصد الإجرامي لا بدّ من توفّره في الفاعل وهو ما أقرّته محكمة التعقيب في القرار الصادر عنها عدد 4014 بتاريخ 23 ماي 1957، ثمّ أتت المجلّة التجاريّة المدرجة بالقانون عدد 129 لسنة 59 المؤرّخ في 5 أكتوبر 1959 فتحدّثت من جديد عن الجنحة المذكورة واعتبرتها بالفصل 411 منها جريمة موضوعيّة. إذ أنّه بمجرّد إنشاء الشيك وهو لا رصيد له تتكوّن هذه الجريمة. بقطع النظر عن نيّة مرتكبها وهو ما كرّسته محكمة التعقيب بقرارها عدد 2824 الصادر بتاريخ 22 جانفي 1964 بقولها:”يكون قائما على أساس من القانون، الحكم الذي قضى بالعقاب من أجل إصدار شيك بدون رصيد يقابله دون البحث عن سوء نيّة المتّهم باعتبار أنّ هذا الركن يتوفّر بمجرّد ثبوت أن لا رصيد له يقابله المبلغ المرسوم بالشيك الذي أمضاه”

وهكذا أصبحت جنحة إصدار شيك بدون رصيد حسب الفصل 411 في صيغته الأولى يوم صدور المجلّة التجاريّة هي جريمة ماديّة بحتة فلا يبحث عن حسن نيّة الفاعل من عدمها، فمجرّد إصدار الشيك وهو لا رصيد له يكون الجريمة.

ثمّ أتى القانون عدد 311 لسنة 1970 المؤرّخ في 3 جويلية 70 المنقّح للفصل 411 المذكور وأكّد من جديد على أنّ جريمة إصدار شيك بدون رصيد هي من الجرائم القصديّة التي يجب أن يتوفّر من جانب فاعلها سوء النيّة عند إصداره لذلك الشيك الذي لا رصيد له بالتالي أصبحت الفقرة الثانية الجديدة من ذلك الفصل تنصّ على ما يلي:”كلّ من أصدر عن سوء نيّة شيكا أو استرجع بعد إصدار الشيك كامل الرصيد أو بعضه أو حجّر على المسحوب عليه الدفع في غير الصور المنصوص عليها في الفصل 374 من هذه المجلّة “

بينما كانت تلك الفقرة يوم صدورها كما يلي:”كلّ من أصدر شيكا ليس له رصيد سابق وقابل للتصرّف فيه أو كان الرصيد أقلّ من مبلغ الشيك واسترجع بعد استصدار الشيك كامل الرصيد أو بعضه أو حجّر على المسحوب عليه الدفع و في غير الصور المنصوص عليها بالفصل 374 من هذا القانون”

وبمقارنة الفقرتين يتبيّن لنا أنّ المشرّع عدل عن اعتبار جريمة إصدار شيك بدون رصيد جريمة ماديّة إلى اعتبارها شخصيّة. وينبغي بالتالي إثبات أنّ الفاعل سيّء النيّة.

ثمّ أتى القانون عدد 46 المؤرّخ في 2 جويلية 1977 والذي نقّح من جديد الفقرة الثانية الجديدة من الفصل 411 م .ت وأرجع صيغة تلك الفقرة التي كانت محرّرة بها المجلّة التجاريّة من أوّل مرّة.

 يبدو أنّ المشرّع هنا لم يلغ الركن المعنوي وإنّما اعتبره متوفّرا في الفاعل أي الساحب متى حصل له العلم بأنّ الشيك الذي أصدره لا رصيد له.

لأنّه في القانون عدد 46 لسنة 77 المذكور، أتى بموضوع التسوية وإجراءاتها إذ أنّه تولّى تنقيح الفصل 410 م .ت وأصبح من الواجب على المصرف إعلام الساحب بمكتوب مضمون الوصول مع الإعلام بالبلوغ أنّ الشيك الذي سحبه عليه هو لا رصيد له أو رصيده غير كاف لتسديد مبلغه وترقّب أجل العشرة أيّام من تاريخ الإعلام . وبعد فوات ذلك الأجل وإن لم يقم الساحب بالتسوية تعتبر عندها الفعلة جنحة تامّة الأركان يمكن مؤاخذته من أجلها.

لذلك نجد المحاكم تتوقّف عن محاكمة الساحب لشيك لا رصيد له متى لم يقم إعلامه من طرف المصرف بالطريقة المذكورة. وهذا ما نجده مقرّرا بالقرار التعقيبي عدد 3539 الصادر بتاريخ 17 فيفري 1982.

وفي نهاية المطاف أتى القانون عدد 83 لسنة 85 المؤرّخ في 11 أوت 1985 معيدا لصياغة الفصل 411 م .ت جاء بفقرتيه الأولى والثانية ما نصّه :” يعاقب بالسجن مدّة 5 أعوام وبخطيّة قدرها 3 آلاف دينار دون أن تقلّ عن مبلغ الشيك أو باقي قيمته :

*كلّ من أصدر شيكا ليس له رصيد سابق وقابل للتصرّف فيه إن كان الرصيد أقلّ من مبلغ الشيك أو استرجع بعد إصدار الشيك كامل الرصيد أو بعضه أو حجّر على المسحوب عليه الدفع في غير الصور المنصوص عليها بالفصل 374.”

فالصياغة الجديدة نستنتج منها أّنّ المشرّع أراد أن يعتبر صراحة وبوجه لا يقبل أي تأويل بأنّ جريمة إصدار شيك بدون رصيد التي هي جنحة هي جريمة ماديّة بحتة فلا وجود فيها لمسألة حسن النيّة من عدمها. وهذه الصياغة للفصل 411 من المجلّة التجاريّة هي التي استقرّ عليها رأي المشرّع التونسي حتّى بعد التنقيح الأخير للفصل المذكور بموجب القانون عدد 28 لسنة 1996 المؤرّخ في 3 أفريل 1996.

فالركن القصدي لهذه الجريمة اعتبره المشرّع غير واجب التوفر. فهو حذف الربط بين العقاب عن هذه الجريمة والعقاب الذي في جنحة التحيّل.

 فالمشرّع أراد هنا التأكيد على الاختلاف بين هذه الجريمة وجريمة التحيّل، فالخطيّة في هذه العقوبة أصبحت 3 آلاف دينار على أن لا تقلّ عن مبلغ الشيك أو باقيه بينما في جنحة التحيّل الخطيّة لا تتجاوز العشرة دنانير.

وأخيرا نلاحظ أنّ المشرّع في القانون عدد 82 لسنة 1985، اعتبر الجريمة المذكورة حاصلة بمجرّد إصدار الشيك دون رصيد وتسليمه للمستفيد. ولتفادي عرض الساحب على المساءلة الجزائية نجد الفصل 410 ينصّ بالفقرة الأولى منه “التسوية تنقرض بمقتضاها الدعوى العموميّة”.

وفي ذلك سعي للمشرّع في تفادي الالتجاء إلى العقوبات الجزائيّة لما لهذه الجريمة من ارتباط وثيق بالاقتصاد الوطني وبحركات البنوك وشؤونها.

والتسوية لا تكون إلاّ بعد إعلام الساحب بأنّ الشيك الذي أصدره لا رصيد له. الأمر الذي يستنتج منه أنّ الجريمة التي حصلت قبل عمليّة التسوية غايتها جعل الدعوى العامّة تنقرض لا غير وهذا دليل آخر على أنّ المشرّع اعتبر أنّ هذه الجريمة ماديّة بحتة لأنّ الساحب قد يكون لا يعلم بأنّ الشيك الذي أصدره هو لا رصيد له ومع ذلك يعدّ قد ارتكب تلك الجنحة ومستهدفا للمؤاخذة إن لم يقم بعمليّة التسوية.

الفقرة الثانية: إجراءات تسوية الشيك بدون رصيد:

إنّ المشرّع أخذ بعين الاعتبار الطبيعة الماليّة والاقتصاديّة لجريمة إصدار شيك بدون رصيد فأقرّ إمكانيّة التسوية فيها، يدفعه في ذلك حرصه على ضمان خلاص المتضرّرين من هاته الجريمة، وسعيا منه إلى تدعيم الثقة في هاته الورقة التجاريّة التي لها دور فاعل في الحياة الاقتصاديّة. وتنقسم التسوية في جريمة إصدار شيك بدون رصيد إلى صنفين أو مرحلتين رئيسيّتين يقع التمييز بينهما بحسب الجهة التي تخضع لإشرافها عمليّة التسوية: ففي المرحلة الأولى يشرف البنك المسحوب عليه الشيك بدون رصيد على عمليّة التسوية ويمكن تسمية هذه المرحلة بمرحلة التسوية البنكيّة (أ) وهي مرحلة ميّزها التنقيح الجديد بالاستقلاليّة عن المرحلة الثانية والموالية لها التي تقع فيها التسوية تحت إشراف القضاء وهي مرحلة يمكن تسميتها مرحلة التسوية القضائيّة (ب)

(أمرحلة التسوية البنكيّة :

عمل تنقيح 4 جوان 2007 على تدعيم دور التسوية كآليّة هامّة لتجاوز الآثار السلبيّة لجريمة إصدار الشيك بدون رصيد وذلك من خلال التمديد في أجل التسوية المصرفيّة وكذلك من خلال إرساء مرجعيّة عمل وفرض اتّباع إجراءات وقائيّة هامّة.

لقد خوّل المشرّع لساحب الشيك بدون رصيد فرصة هامّة لتدعيم فرص التحسّب من المؤاخذة الجزائيّة وذلك بالإسراع لتسوية وضعيّته في أجل معيّن ومضبوط حسابيّا.

تمّ تنظيم فترة الإمهال الأولى في الفقرة الأولى من الفصل 410 ثالثا م.ت ومدّتها ثلاثة أيّام مصرفيّة، لكنّ هذه الفترة قد شابها الغموض باعتبار أنّ المشرّع لم يستعمل في هذه الفقرة عبارة ” التسوية”.

أمّا بالنسبة إلى أجل التسوية فقد ميّز المشرّع بين حالتين بحسب ما إذا كان مقرّ الساحب “المصرّح به” يوجد داخل التراب التونسي أو خارجه، فإذا كان المقرّ بتونس فإنّ الأجل هو أربعة أيام عمل مصرفيّة بداية من تاريخ الإنذار الموجّه للساحب بواسطة عدل منفّذ أمّا إذا كان المقرّ بالخارج فيرفع الأجل إلى عشرة أيّام ولا يدخل يوم تبليغ الإنذار في احتساب الأجل لأنّه يجب أن يكون كاملا. إضافة إلى هذه الفترة أضاف مشرّع 2007 صلب الفصل 412 ثالثا م.ت فترة جديدة للتسوية المصرفيّة مدّتها ثلاثة أشهر ينطلق احتسابها من يوم انقضاء التسوية ذات الأربعة أيّام.

كما يجب الإشارة أنّه يقع الأخذ بعين الاعتبار أيّام العطل المصرفيّة (كيومي السبت والأحد)، حيث اقتضى الفصل 410 ثالثا م.ت في فقرته السادسة أنّه لا يدخل في نطاق احتساب الأجل الأيّام التي تمثّل عطلة مصرفيّة.

إذ تنطلق مرحلة التسوية البنكيّة أو المصرفيّة من يوم التنبيه على الساحب بتوفير الرصيد (بأيّ وسيلة تترك أثرا كتابيّا)، ثمّ بعد هذا اليوم يتمتّع الساحب بأجل ثلاثة أيّام لتوفير الرصيد، وبعد هذا الأجل يقوم البنك في أجل يوم واحد بتحرير شهادة في انعدام الرصيد، ثمّ يتمتّع البنك بأجل ثلاثة أيّام ليسلم شهادة في عدم الدفع لعدل التنفيذ الذي يقوم بتوجيه إنذار للساحب خلال أربعة أيّام من تسلّم شهادة عدم الدفع ويتمتّع الساحب بعد إنذاره بأجل مدّته أربعة أيّام للتسوية الذي يشمل دفع مبلغ الشيك أو ما نقصّ منه وكذلك مصاريف التبليغ وبانتهاء هذا الأجل تبدأ فترة التسوية البنكيّة الأخيرة والمقدرة بثلاثة أشهر والتي تشمل توفير الرصيد وخلاص مصاريف الإعلام مع فائض بنسبة 10 بالمائة مع خلاص خطيّة بنسبة 10 بالمائة من مبلغ الشيك أو ما نقص منه.

لقد وضع المشرّع على عاتق البنك المسحوب عليه جملة من الواجبات الشكليّة التي ينبغي احترامها، وقد رتّب على الإخلال بها التعرّض لعقوبة ماليّة من خمسة مائة دينار إلى خمسة آلاف دينار طبقا لأحكام الفصل 412 م.ت. وتتمثّل هذه الواجبات المحمولة على البنك المسحوب عليه في دعوى الساحب أوّلا في تاريخ عرض الشيك للخلاص بأيّ وسيلة تترك أثرا كتابيّا لتوفير الرصيد بحسابه أو جعله قابلا للتصرّف فيه في أجل ثلاثة أيّام عمل مصرفيّة بداية من تاريخ رفض الدفع، ثانيا في تحرير شهادة في عدم الدفع مباشرة بعد انقضاء هذا الأجل (أجل ثلاثة أيّام) في خمسة نظائر وقد حدّد منشور البنك المركزي محتوى الشهادة في عدم الدفع، ثمّ أخيرا في الإعلام بعدم الدفع والذي هو إجراء أساسي يتمثّل في دعوة للساحب بواسطة عدل تنفيذ لتسوية وضعيّته وعلى هذا الأخير حتّى لا يستهدف للعقوبات المنصوص عليها بالفصل 403 م.ت أن يبلغ الإعلام بعدم الدفع خلال أربعة أيّام من تاريخ استلامه له.

لقد حافظ تنقيح 2007 على نفس الإجراءات التي استوجبها المشرّع في تنقيح 3 أفريل 1996، وهذه الإجراءات حدّدت صلب الفصل 410 ثالثا م.ت الذي تضمّن فترتين للتسوية المصرفيّة والتي تتمثّل أساسا في إقدام الساحب على توفير الرصيد بحسابه أو جعله قابلا للتصرّف فيه في فترة التسوية الأولى التي تدوم ثلاثة أيّام، يضاف إلى هذا الإجراء دفع مصاريف التبليغ التي سبقها البنك لعدل التنفيذ في الفترة الثانية للتسوية التي تدوم أربعة أيّام فقط. ولقد أضيفت لهذه الاجراءات المحمولة على الساحب إجراءات أخرى جديدة رافقت الفترة المستحدثة التي تمّ إضافتها بموجب الفصل 412 ثالثا جديد من م.ت (فترة ثلاث أشهر).

 وتوصف إجراءات التسوية في هذه المرحلة بالإجراء الإستحداثي، لأنّه وقع اعتماد مبدأ التدرّج في شروطها مع تقدّم مراحل التسوية، وفي هذه المرحلة يجب على الساحب الاستجابة لشرطين إضافيين بالفصل 412 ثالثا م.ت المتمثّلين في دفع خطيّة لصندوق الدولة قيمتها 10%من مبلغ الشيك أو ما نقص منه وكذلك دفع فائض للمستفيد بنسبة 10% من مبلغ الشيك أو من باقي قيمته.

إذا قام الساحب بتسوية وضعيّته في أيّ طور من أطوار التسوية البنكيّة واستجاب للشروط القانونيّة واحترم الآجال فإنّه يترتّب على ذلك انقراض الدعوى العموميّة كما له إمكانيّة استرجاع صيغ الشيكات.

أمّا بالنسبة للمسحوب عليه فلقد لقد تضمّن تنقيح 2007 وخاصّة بالفصل 412 ثالثا أثرين جديدين لحصول التسوية يتمثّل الأوّل في واجب تسليم البنك شهادة في التسوية للساحب أمّا الثاني فيتمثّل في إعلام البنك المركزي بحصول التسوية.

 (بمرحلة التسوية القضائيّة :
تعتبر هذه المرحلة الفرصة الأخيرة للساحب لتدارك أمره وهي مرحلة متميّزة من حيث خصائصها وشروطها وآثارها.

لقد قام مشرّع 4 جوان 2007 بإرساء أجل مفتوح للتسوية بعد تخلّيه عن الأجل المحدّد.

إن تنقيح 3 أفريل 1996 رفّع في أجل التسوية القضائيّة من شهر (تنقيح 1988) إلى ثلاثة أشهر إذ أصبح الفصل 412 ثالثا م.ت ينصّ أنّه “في صورة عدم حصول التسوية طبقا للشروط المبيّنة بالفصل 410 ثالثا من هذه المجلّة لساحب الشيك بدون رصيد خلال ثلاثة أشهر ابتداء من انتهاء أجل التسوية وقبل تاريخ صدور الحكم …”

 وقد واصل المشرّع رهانه على التسوية كإجراء ناجع للتصدّي لظاهرة الشيك بدون رصيد ممّا دفعه إلى تحرير هذا الأجل المحدّد بثلاثة أشهر وتفضيله إرساء أجل مفتوح طبقا للفصل 412 رابعا جديد م.ت الذي ينصّ على أنّه “يمكن القيام بالتسوية أثناء التتبّع وقبل صدور حكم نهائي ….”

كما يعتبر التنقيح الجديد تجاوزا لنقائص التنقيح السابق الذي جمع بين شرطين للتسوية، وقوعها في أجل الثلاثة أشهر كإطار زمني محدود، والثاني هو أن تتمّ التسوية قبل صدور حكم.

تميّز تنقيح 4 جوان 2007 بالتمديد في مرحلة التسوية القضائيّة بجعل أجلها مفتوحا طوال مراحل التتبّع وقبل صدور حكم “نهائي”.

فالتسوية يمكن أن تحصل مادام الملفّ تحت نظر النيابة العموميّة التي تتّخذ حينها قرارا بالحفظ لانقراض الدعوى العموميّة بموجب التسوية، كما يمكن أن تحصل التسوية بعد إحالة النيابة العموميّة للساحب على المحاكمة، حينها تقضي المحكمة المتعهّدة بإيقاف المحاكمة بموجب التسوية ثمّ إنّ التسوية يجب أن تقع قبل صدور حكم “نهائي”.

ومن المعلوم أنّ الأحكام الجزائيّة يمكن أن تصدر إمّا حضوريا أو معتبرا حضوريّا أو غيابيّا في حقّ المتّهم، وهنا يجب التمييز وإن لم يميّز المشرّع وذلك بإقصاء الأحكام الغيابيّة، فالقيام بالتسوية يبقى ممكنا حتّى بعد صدور حكم نهائي إذا كان غيابيّا، لأنّه يكفي الاعتراض عليه لينحل برمّته وتستأنف المحاكمة من جديد لذلك فلا معنى لحرمان الساحب من التسوية بعد صدور حكم نهائي غيابي عليه.

 وعلى العموم فإنّ الأجل الجديد يبقى مفتوحا طول نشر القضيّة أمام قضاء الأصل بدرجتيه، بل يمكن القول أنّه من المتوقع جدّا أن يزيد فقه القضاء في إطالة هذه المرحلة ذلك أن محكمة التعقيب اعتبرت أنّ الساحب الذي فوّت على نفسه فرصة التسوية يمكنه القيام بذلك حتّى في طور نشر القضيّة أمام محكمة التعقيب.
إلى جانب هذا الأجل المفتوح واصل المشرّع بمناسبة تنقيح 04 جوان 2007 في تيسيره للواجبات المحمولة على الساحب وكذلك في تعزيزه لدور البنك المسحوب عليه.

إذ نصّ الفصل 412 رابعا م.ت في صيغته الجديدة “على الساحب خلاص مبلغ الشيك أو باقي قيمته وفائض يساوي 10% يحسب باليوم بداية من تحرير شهادة عدم الدفع وخطيّة تساوي 20% من كامل مبلغ الشيك أو باقي قيمته وخلاص المصاريف “. يتبين من خلال هذا الفصل أن المشرع قد خفّض من نسبة الفائض الواجب دفعه من قبل الساحب للمستفيد من 17% إلى 10% ذلك أن نسبة

17% هي نسبة مرتفعة جدا ومن شأنها إثقال كاهل الساحب بشكل يعجز معه على أداء هذا الفائض، خاصة وأن حسابه يتم باليوم من تاريخ شهادة عدم الدفع. وهذا الرجوع في نسبة الفائض تتمثل غايته أساسا في تجاوز المشرع لتناقضاته فمن جهة يجرّم الفائض المشطّ، ومن جهة أخرى يفرض على الساحب فائضا في غاية الشّطط إذ لا يعقل أن يفرض المشرع في مادة الشيك بدون رصيد فائضا ترتفـع نسبتـه إلى 17% والحال أنـه يجرّم العمل بنسبة الفائض المشطّ .

و بالرّغم من خيارات الساحب في التسوية إمّا بتأمين مبلغ الشيك أو ما نقص من الرصيد مع الفائض القانوني بالخزينة العامة وإمّا دفعه مباشرة لهذه المبالغ للمستفيد، فإن البنك المسحوب عليه يبقى وحده المؤهل قانونا لقبض مبلغ الخطية ومصاريف محضر الإعلام ويعد امتناعه عن قبض مال التسوية سلوكا تترتب عليه جريمة شكلية. كما رتب الفصل 412 م.ت عقابا على ارتكاب هذه الجريمة يتمثل في خطية من 500 الى 5000 دينار.

إضافة إلى هذا فإن البنك المسحوب عليه ملزم كذلك بمدّ الساحب بجميع الوثائق التي تثبت تسوية وضعيته، لذلك استوجب الفصل 412 رابعا على الساحب زيادة عن استجابته للشروط المالية أن يدلي لوكيل الجمهورية أو للمحكمة بما يفيد خلاص الخطية والمصاريف، وبما يفيد توفير الرصيد لدى المصرف مع الفائض.

ويترتب عن التفويت في فرصة التسوية القضائية مسائلة الساحب جزائيا، لكن إذا استجاب لهذا الخيار وقام بخلاص الشيك بدون رصيد فإنه يستفيد من إمكانية استرجاع استعمال صيغ الشيكات كما تنقرض الدعوى العمومية ويوقف التتبع في شأنه.

محمد محمود المصري، أحكام الشيك مدنيا وجنائيا، دار المطبوعات الجامعية 1999،ص12.[1]

علي البارودي، كتاب القانون التجاري،661 بند453 ذكره الطيب اللومي في: الشيك وجرائمه، مجلة القضاء والتشريع جانفي 1986، ص.40[2]

[3] وهذا ما قال به معظم الفقهاء في مصر ومنهم:”محمد شفيق، ص785-انور سلطان، ص96 –محمود سمير الشرقاوي،ص468، ذكره زهير    عباس  كريم،النظام القانوني للشيك ،دراسة فقهية قضائية مقارنة ، دار مكتبة التربية ،بيروت راس النبع،ص208

قرار تعقيبي جزائي عدد 4212 مؤرخ في 26 أكتوبر 1959، مجلة القضاء والتشريع عدد 1 لسنة 1960 ص40.[4]

الطيب اللومي: “الوسيط في الاوراق التجارية في القانون التونسي”، مركز الدراسات والبحوث والنشر 1993 ,ص.423 .[5]

محمد محمود مصطفى “–شرح قانون العقوبات-القسم الخاص-”، ص.487.[6]

قرار تعقيبي جزائي عدد 704 مؤرخ في 12 فيفري 1977 نشرية محكمة التعقيب لعام 1977 القسم الجزائي ج1-ص75.[7]