حقّ الضّمان العامّ

facebook_1498842362417

إن المستجدات الاقتصادية التي تشهدها الدولة و المجتمع تولد منها تطور في المعاملات المالية بين الأفراد مع تلبية رغبة متواصلة في الاستهلاك مما أدى غلى تزايد الحاجة إلى الاقتراض و التداين. و هذه المستجدات يتبعها حتما ظهور مؤسسات و آليات قانونية للضمانات التي تسند للدائن لحمايته من قصور المدين عن الوفاء بالتزامه خاصّة و أن استيفاء الدائنين لديونهم أمر ضروري لتواصل ازدهار المعاملات بين الأفراد.

فتهرب المدينين من الوفاء سيؤدي مباشرة إلى اضطراب الأنشطة الاقتصادية و تصدع الثقة القائم بها العمل بين الأطراف مما يدعم فكرة الحاجة إلى تقوية مركز الدائن الذي يمثل المحور المحرك للنشاط الاقتصادي أمام إعسار مدينه أي توقفه عن الدفع لعدم كفاية أمواله.

و قد منح المشرع حدا أدنى من الحماية للدائن في صورة عدم أداء مدينه لالتزامه و المتمثل في حق الضمان العام أي أن ترصد أموال المدين كضمان لسداد ديونه حيث يمثل الأساس القانوني للتنفيذ الجبري و لكنه لا ينبه خطر إعسار المدين.

و إلى جانب هذا الضمان العام نجد كذلك الضمان الخاص الذي يمثل صلاحيات يمنحها القانون أو العقد أو القاضي للصلاحيات العادية للدائن بما تهدف إليه من غاية قانونية وحيدة و هي حماية الدائن من إعسار المدين و هي تتمثل في كل من التأمينات الشخصية التي تتمثل في إضافة ذمة مالية للذمة المالية للمدين لضمان دينه و التأمينات العينية التي تتحقق بتخصيص مال أو مجموعة أموال على ملك المدين للوفاء بدين الدائن و يستوفي هذا الأخير دينه من هذا المال قبل غيره من الدائنين و يتتبعه في أي يد يكون. و هذا ما يبين لنا أنه ليس كل ضمان يعتبر تأمينا.

فالضمان هو مجموعة من التقنيات و المؤسسات و الصلاحيات القانونية التي تحقق حماية للدائن في صورة عدم خلاصه.

وهذا الحق يكسب الدائن صفة الخلف العام لمدينه ولا يمنحه حق التتبع و لا حق الأفضلية.

حيث كرّس المشرع التونسي في الفصل 192 من مجلة الحقوق العينية فكرة أن “مكاسب المدين ضمان لدائنيه يتحاصصون ثمنها إلا إذا كانت هناك أسباب قانونية على تفضيل بعضهم على بعض”. فالدائنون العاديون هم في الأساس متساوون لا تمييز بينهم بسبب التواريخ التي نشأت فيها حقوقهم إلا إذا كان هناك أسباب أفضلية مشروعة ناشئة عن القانون أو عن الاتفاق[1]. مما يوضح أن أموال المدين هي الضمان العام لدائنيه و أن هذا الضمان العام قائم على قاعدتين جوهريتين و هما اعتبار جميع أموال المدين ضامنة للوفاء بديونه و اعتبار جميع الدائنين متساوين في هذا الضمان. بمعنى أن الدائن العادي هو الدائن الغير مفضل أي الذي ليس له تأمين عيني و لكن هذا المفهوم لم يكن محل إجماع شراح القانون إذ يرى بعضهم أن الدائن العادي هو الذي لا يتمتع بأي تامين عيني أو شخصي كما يقسّم شق أخر الدائن العادي إلى صنفين. صنف أول يشمل كل دائن ليس له تامين عيني لكن يتمتع بتامين شخصي. و صنف ثان يشمل كل دائن لم يتمتع بأي ضمان مهما كان نوعه و هو الدائن العادي المحض.

و قد اعتبر جانب من الفقه أن الضمانات بمفهومها الواسع يمكن أن تحتوي التأمينات بالمعنى الضيق و مؤسسات أخرى قد تؤدي إلى تلك النتيجة دون أن تصنف كتأمينات من بينها التضامن السلبي و بند الاحتفاظ بالملكية و الدعوى غير المباشرة و الحوالة الناقصة الخ.. والتي تحمي الدائن من إعسار المدين و لكن تحقيق هذه الحماية لا يمثل جوهر هذه المؤسسات فهي تحصل بطريقة عرضية بسبب عمل المؤسسة أو أثر الدعوى دون أن تكون الغاية الأساسية التي يسعى إليها هذا الضمان خلافا لما هو الشأن بالنسبة للتأمينات.[2]

و لكن الضمان العام يظل بما تمثله أهميته التطبيقية حقا مرتبطا بعدّة وسائل تضمن أهدافه حيث أن التنفيذ الجبري المتمثل في عقلة مكاسب المدين و بيعها بإشراف القضاء لاستيفاء دينه من ثمنها يمثّل وسيلة ضمانا للخلاص لكن الحماية التي يوفرها تبقى غير كافية بالرغم من شموله مبدئيا على كافة مكاسب المدين و انطوائه على مبدأ المساواة بين الدائنين.

فما مدى نجاعة الضمان العام؟

أورد الفصل 192 من مجلة الحقوق العينية (م ح ع) مبدأ المساواة بين الدائنين في الضمان العام إضافة إلى مبدأ العمومية و الوسائل المحافظة عليه و هو ما يجعل نجاعته موجودة (الجزء الأول) و لكن هذا المبدأ ليس مطلقا حيث نجد أسبابا قانونية أخرى تقوم على تفضيل الدائنين مثل الامتياز و الرهن و الحبس مما يؤكد نواقص الضمان العام و بالتالي نجاعته المحدودة (الجزء الثاني).

جزء 1/ نجاعة حق الضمان العام موجودة:

سنتطرق في هذا الجزء إلى خصائص حق الضمان العام (أ) ثم إلى وسائل حماية حق الضمان العام (ب)

أ/ خصائص حق الضمان العام:

يقوم حق الضمان العام على خاصيتين و هما قاعدة العمومية حيث تكون جميع أموال المدين ضامنة للوفاء بدينه (1) و قاعدة المساواة حيث أن جميع الدائنين متساوون في الضمان (2).

1) جميع أموال المدين ضامنة للوفاء بديونه:  

الدائن الذي يمتنع مدينه عن الوفاء بدينه يستطيع أن ينفذ بحقه على المال الذي يختاره من أموال المدين الموجودة في ذمته وقت التنفيذ. أي أن التنفيذ لا يقتصر على الأموال التي كانت للمدين وقت نشوء الدين بل يتناول أيضا الأموال التي دخلت في ملكيته بعد ذلك. أما الأموال التي تصرف فيها المدين قبل أن يبدأ الدائن إجراءات التنفيذ فلا يحق للدائن أن يتتبعها في يد من انتقلت إليه لان الضمان العام لا يمنحه هذا الحق.

و الذمة الماليّة تتكون من عنصرين عنصر إيجابي يتكون من مجموع الحقوق المالية لصاحب الذمة و عنصر سلبي يتكوّن من مجموع الديون و هما مرتبطان في وحدة متماسكة تعطي للذمة المالية كيانا ذاتيا يتميّز عن ما تتضمنه من حقوق و التزامات

و هذا الكيان الذاتي للذمة يجعل الجانب الايجابي منها مسؤولا عن الجانب السلبي ومعنى ذلك أن ضمان الدائنين لا يقع على مال معيّن أو حق معيّن من أموال المدين بل يقع على الجانب الايجابي للذمة الماليّة و هذا معنى الضمان العام الذي عبر عنه الفصل 192 م.ح.ع بعبارة “مكاسب المدين” التي وردت في المطلق.

لكن القانون قد يمنع التنفيذ على بعض أموال المدين. والمال الذي يمنع القانون التنفيذ عليه يخرج من دائرة الضمان العام و يمتنع على الدائنين اقتضاء حقوقهم منه و هو المال الغير قابل للعقلة و للتنفيذ الجبري.

فقد تدخل المشرع أحيانا لمنع عقلة بعض الأموال لاعتبارات إنسانية أو تهم المصلحة العامة كما هو الشأن بالنسبة للفصل 308 مجلة المرافعات المدنية والتجارية (م.م.م.ت) الذي يمنع عقلة ما يلزم للمعقول عنه و عائلته من الفراش و الملابس و الأواني. و كذلك الفصل 331 م.م.م.ت بالنسبة للنفقة إذا صدر بها حكم و التسبيقات ذات الصبغة المعاشية عن تعويض ضرر ناشئ عن جنحة أو ما شابهها و كذلك المبالغ التي تمنحها الدولة و المؤسسات العمومية و الجماعات العمومية المحلية بعنوان إعانات فردية دورية أو عرضيّة. أما الفصل 37 من مجلة المحاسبة العمومية فقد أقرّ بعدم عقلة الأموال المملوكة للدولة و المؤسسات العمومية و المحلات العمومية المحلية.

كذلك أقر الفصل 306 م.م.م.ت بعدم عقلة الأموال التي تكون محل ضمان خاصّ أي تلك التي تكون محلا لإحدى التأمينات العينية كالرهن و الحبس و الامتياز.

و قد ذهب جانب فقهي غلى أن الضمان العام ينقسم إلى عنصر مديونية و عنصر مسؤولية.

أما المديونية فتعني ما يجب على المدين الوفاء به. و أما المسؤولية فتعني سلطة الدائن في قهر المدين على الوفاء بما التزم به أو تعويضه عن عدم الوفاء. فإذا نفّذ المدين التزامه انقضت المديونية و إذا امتنع عن التنفيذ تحرك عنصر المسؤولية الذي بواسطته يستطيع الدائن إجباره عليه.

و مسؤولية المدين هنا مسؤولية شخصية غير محددة بمال معين و هي تقتصر على ما يمتلكه المدين من أموال وقت المباشرة بالتنفيذ و لا يمتد إلى أي مال تصرف فيه إلى الغير قبل هذا الوقت إلا إذا توفرت شروط الدعوى البوليانية و طعن الدائن بهذا التصرف.

و على أي حال و أيا كان تفسير الفقه للضمان العام فان من المتفق عليه أن الضمان العام ينصب على كل أموال المدين الحاضرة في ذمته وقت التنفيذ و يقصر عن تتبع الأموال التي خرجت من ذمته قبل هذا الوقت.

2) جميع الدائنين متساوون في الضمان:

و هذه المساواة تعني أن جميع الدائنين يتمتعون بحق اقتضاء ديونهم من أموال المدين دونما تمييز بينهم بسبب التواريخ التي نشأت فيها ديونهم. و قد تبنى الفصل 192 م.ح.ع هذه الخاصية من خلال عبارة “يتحاصصون ثمنها” فلا فرق بين دائن نشأ حقه بتاريخ متقدم ودائن نشأ حقه بتاريخ لاحق أي أنها تعني انعدام الأفضلية بين الدائنين العاديين الذين يتمتعون بحق المطالبة بديونهم من أموال المدين دون تمييز بينهم.

فلكل الدائنين نفس الحقوق على مكاسب المدين و لكل منهم الحق في عقلة مكاسبه عند حلول اجل الدين. و تنطبق قاعدة المساواة على الدائنين العاديين الذين يتمتعون بحق الضمان العام و كذلك الدائنين الذين يتمتعون بحق ضمان عام مزدوج. و هي وضعية الدائن المستفيد بتامين شخصي فيكون للدائن حق الضمان العام على ذمة المدين الأصلي و حق الضمان العام على ذمة الضامن.

و على عكس الدائن العادي فالدائن المفضل هو المتمتّع بتامين عيني على غرار الامتياز، الحبس، و الرهن حسب الفصل 193 م.ح.ع.

و تبرز أهمية هذه المساواة عندما لا تكفي أموال المدين للوفاء بديونه جميعا فعندئذ يقتسمون ما في ذمته قسمة غرماء أي لكل بحسب دينه. فلا أفضلية في الضمان العام على غيره من الدائنين[3].

و بالتالي يتحصل كل دائن على جزء من دينه تطبيقا لقاعدة المحاصصة أي قسمة المال المراد توزيعه على مجموع الديون و ضرب الحاصل في مقدار كلّ دين.

و قد سعى المشرع لحماية وضعية الدائن العادي بحق الضمان العام و خصّص لهذا الغرض عدّة وسائل حماية و خاصة منها الدعاوى التي بإمكان الدائن القيام بها لضمان حدّ أدنى لنجاعة الضمان العام.

ب/ وسائل حماية حق الضمان العام:

لم يترك المشرع الدائن تحت رحمة المدين الذي قد تنقصه الأمانة فيعمد إلى التصرف في أمواله بما يخرجها من ضمان دائنيه أو عقد ديون جديدة لإضعاف ضمان هؤلاء أو قد يكون مهملا فيقصّر في استيفاء ما له من حقوق لدى الغير على نحو يضرّ بدائنيه فوضع بتصرف الدائن بعض الوسائل السابقة (1) و اللاحقة (2) لحلول اجل الدين بهدف المحافظة على الضمان العام.

1) الوسائل السابقة لحلول اجل الدين: 

هي الوسائل التي يلجأ إليها الدائن لحماية حقه من السقوط أو لتقوية ضمانه كطلب الكفالة أو أي وجه من وجوه التأمين أو لمنع المدين من القيام بأي عمل قانوني أو مادي لتهريب أمواله و إخراجها من ضمان الدائنين كتوقيع الحجز الاحتياطي ووضع الأختام و حبس الأثاث و سائر المنقولات الموجودة في المأجور.

و يحق للدائن أن يباشر الوسائل الاحتياطية كلما وجد من الأسباب الصحيحة ما يحمله على الشك في المدين أو على الخوف من إفلاسه أو من هربه و لو كان حقه مقترنا بأجل أو معلقا على شرط.

2) الوسائل اللاحقة لحلول أجل الدين:  

هي الوسائل القانونية التي تمهد سب التنفيذ فهي أقوى من الوسائل الاحتياطية لأنها ليست مقصورة على مجرد التحفظ على أموال المدين للحول دون خروجها من الضمان العام و اضعف من الوسائل التنفيذية لأنها لا تؤدي مباشرة لاستيفاء حق الدائن و تهدف هذه الوسائل إلى المحافظة على الضمان العام و حمايته من إهمال المدين أو غشه لكي لا يتعرض حق الدائن إلى الضياع أو الانتقاص.

و عليه، سنتناول أولا الدعوى البوليانيّة و هي الدعوى التي تخوّل لصاحبها الطعن في تصرّفات المدين المضرّة بحقوق الدائنين إذ نص الفصل 306 فقرة أولى على انه “يجوز للدائنين أن يطعنوا في حقّ أنفسهم في الحقوق التي تممها مدينهم في انه تمّمها لإضرارهم في حقوقهم تغريرا و تدليسا لكن دون أن تقع مخالفة الأحكام المتعلقة بالحالة الشخصيّة أو بالميراث”.

و تمكّن هذه الوسيلة من الطعن في تصرفات المدين التي تؤدي إلى الإضرار الفعلي بالذمّة الماليّة. و ترمي هذه الدعوى إلى التصريح بعدم نفاذ تلك التصرفات في حق الدائن رافع الدعوى و لكن التصرّف يعتبر صحيحا و قائما و منتجا لآثاره بالنسبة للمدين و باقي الدائنين الذين لم يشاركوا في الدعوى و على هذا الأساس يجوز للدائن رافع الدعوى أن يعتبر الشيء موضوع التصرف مازال في ذمّة مدينه و يمكن بالتالي التنفيذ عليه و استخلاص دينه منه.

ثانيا، نجد الدعوى غير المباشرة أو دعوى الحلول و هي تسمح للدائن بممارسة حقوق المدين على الغير أو المطالبة بها استنادا على الفصول 306 فقرة 2 و 307 و 308 من م.ح.ع و هي تسمح للدائن بالقيام على مدينه و مطالبته بالوفاء له بالحقوق التي تقاعس مدينه عن المطالبة بها سواء عمدا أو إهمالا منه.

و تؤدي هذه الدعوى النتيجة الفردية للدائن القائم بها إذ ينتفع وحده بالمال الذي يطالب بالوفاء به حيث يستأثر الدائن المباشر للدعوى وحده بحصيلتها.

أما ثالثا فسنتناول في دراستنا دعوى الإعلان عن الصوريّة. حيث تقوم الصوريّة عموما إذا اتفق شخصان في عقدين مختلفين احدهما ظاهر و الآخر خفيّ على إلغاء أو تعديل أحكام العقد الصوري بأحكام العقد السري فهي إذن نتاج التقاء إرادتين على التظاهر بما يخالف الواقع و بصفة خاصّة فهي الوضعية التي يلجأ فيها المدين إلى التصرف في أمواله تصرفات وهميّة ثم يبطلها باتفاق سريّ قاصدا إخراجها من ضمان دائنيه. و يمكن إثارة دعوى الصوريّة استنادا على الفصل 26 م.ا.ع لإثبات صوريّة التصرفات التي قام بها المدين من أي شخص تضررت مصالحه بسبب احد العقدين.

و عليه يجب على دائن المتصرف الصوري أن يثبت العقد السري الذي يكشف عن الإرادة الحقيقية للأطراف فإذا نجح في ذلك يقع التصريح قضائيا باعتبار انتفاء وجود العقد الظاهر و إبقاء المكاسب المتصرف فيها تحت لواء الضمان العام.

استنادا لما سبق يمكن اعتبار وسائل حماية حق الضمان العام وسائل قانونية تسعى إلى الإبقاء على ذمة المدين الذي يعمد في بعض الأحيان إلى انقضائها أو إيهام الدائنين بإفراغها و لكن تبقى هذه الوسائل غير كافية لحماية الدائن مما يشكك في نجاعة حق الضمان العام.

جزء 2/ نجاعة حق الضمان العام محدودة:

أجمع الفقهاء على أن حماية الضمان العام لحقوق الدائنين هي حماية ضعيفة و نسبيّة حتى أن بعضهم اعتبرها من قبيل الحماية الوهمية و لذلك سنتناول في هذا الجزء دراسة نسبية فكرة المساواة (أ) ثم صعوبة الرجوع على المدين (ب)

أ/ نسبية فكرة المساواة

إذا كان المدين التاجر يخضع لنظام الإفلاس الذي يحقق فائدة مؤكدة للدائنين و ذلك عن طريق التصفية الجماعية لأمواله فان نظام الإعسار المدني لا يحقق هذا الهدف للدائن قبل مدينه المعسر حيث يعجز نظام التنفيذ الفردي عن تحقيق المساواة الفعلية بين الدائنين. فالمدين المعسر لا ترفع يده عن ماله بل يبقى قائما على إدارتها، و لا يجتمع الدائنون في اتحاد كما يجري الأمر في الإفلاس. فيبقى دائنو المدين المعسر كل منهم مستقلا عن الآخر ولا تتخذ إجراءات جماعية للتنفيذ بل يقوم كل دائن على مصلحته بنفسه، يتخذ باسمه خاصة من الإجراءات الفردية ما يسمح به القانون. فلكل دائن أن يحجز على أموال المدين ما كان موجودا منها قبل الإعسار و ما استجد بعده. و لكل دائن أن يبادر قبل غيره إلى استيفاء حقه من أموال المدين فإذا لم يتمكن الدائنون الآخرون من اللحاق به و مزاحمته عند التوزيع، فقد يستوفى حقه كاملا دونهم. فالمساواة بين الدائنين هي مساواة قانونية لا فعلية. و القانون يعتبر الدائنين متساوين جميعا و لكنه لا يمنع احدهم من اتخاذ إجراءات فردية يسبق بها الآخرين.

و يطبق مبدأ المساواة إذا تعلق الأمر بتتبع نفس المال من طرف مجموعة من الدائنين فيقع توزيع الأموال بينهم على أساس قاعدة المحاصصة دون أن يكون لأحدهم حق التقدم على الآخر. كما أن الدائنين لن يتمكنوا من استخلاص ديونهم بالكامل حيث ترتبط نسبة خلاصهم بأهمية عدد الدائنين و أهمية قيمة الديون المشاركة في عملية توزيع الأموال.

ثم إن الدائن قد يتخلف عن المشاركة في التنفيذ على أموال المدين إما إهمالا منه أو لأنه لم يعلم بإعسار هذا الأخير. و في هذه الحالة قد يضيع عليه حقه لأن أموال المدين أو المتحصل من بيع هذه الأموال يوزع بين الدائنين الذين شاركوا في التنفيذ فقط[4].

هذا هو الخطر الذي يتعرض له الدائنون و الناتج من قاعدة الضمان العام التي تملي وجوب المساواة بين جميع الدائنين. فقسمة أموال المدين يجب أن تتم على أساس حصول كل دائن على نسبة معينة من مال المدين تعادل ماله من حق، فإذا لم تكن أموال المدين كافية للوفاء بديونه فان ذلك يؤدي بطبيعة الحال إلى عدم حصول كل دائن على كامل حقه من المدين. ولذلك لا تحقق قاعدة الضمان العام – نظرا لما تثيره من مخاطر- للدائن أمنا كافيا حيث يتمنى كل دائن الحصول من مدينه على كامل حقه و لا يمكن تحقيق هذا الهدف إلا بتقرير نظم التأمينات[5].

فالمساواة بصورتها المتقدمة قاصرة على الدائنين العاديين و هم الذين لا يتمتعون بضمان خاص كرهن أو امتياز. أما الدائن الذي يتمتع بضمان خاص و الذي يسمى اصطلاحا بالدائن الممتاز فلا يخضع لقاعدة المساواة و إنما يتقدم الدائنين العاديين عند التزاحم.

ب/ صعوبة الرجوع على المدين

الضمان العام لا يرفع يد المدين عن التصرف في أمواله و لا يمنعه من عقد ديون جديدة. والسبب في ذلك يعود إلى أن الضمان العام لا يربط حق الدائن بمال معين من أموال مدينه ولا يزود الدائن بأية سلطة قانونية يستطيع بواسطتها منع المدين من التعامل مع دائن جديد. فالمدين يستطيع أن يتصرف في أمواله بعوض أو بغير عوض كما يستطيع أن يعقد ديونا جديدة دون أن يحل للدائن معه من ذلك بحجة أن هذه التصرفات تنقص من أموال المدين أو تزيد في ديونه فتضعف من ثم فرصة الدائن في استيفاء حقه كاملا[6].

إن الوسائل التي تقدم ذكرها بالرغم من أهميتها لا تبدو كافية لتجنيب الدائن مخاطر الضمان العام فضلا على أن في الالتجاء إليها عناء قد لا توازيه الفائدة منها.

فالدعوى غير المباشرة تخضع لشروط قد لا تتوفر باستمرار فضلا عن أن الفائدة منها تعود عل جميع الدائنين و لا يستأثر بها الدائن رافع الدعوى و قد لا يحصل هذا الدائن إلا على جزء من حقه.

و كذلك الأمر بالنسبة لدعوى الصورية فالدائن الذي يرفع هذه الدعوى لا يستأثر بنتيجتها بل يشاركه في التنفيذ على المال الذي تناوله التصرف الصوري سائر الدائنين باعتبار هذا المال لم يخرج من ذمة المدين و يدخل بالتالي في الضمان العام لدائنيه.

و لا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة للدعوى البوليانية فالدائن الذي يباشر هذه الدعوى وإن كان يستأثر لوحده بالفائدة التي تنتج عنها إلا أن مباشرة هذه الدعوى يتطلب شروطا قد يصعب تحققها و هي كالآتي:

– أن يكون للدائن دين سابق على التصرف القانوني المطعون فيه.

– أن يكون الدين ثابتا دون أن يكون بالضرورة حالا و قابلا للتنفيذ الجبري.

– أن يكون التصرف القانوني للمدين قد ألحق ضررا بحقوق دائنيه أي أنه تصرف مفقر لذمة المدين قد يؤدي إلى إعساره فيجب ثبوت إعسار المدين.

– أن يكون التصرف مقترنا بالتغرير أو التدليس أي أن يتصرف المدين بسوء نيّة قصد الإضرار بمصالح الدائنين.

و قد اختلف الفقه حول تعريف الغش في الدعوى البوليانية فاشترط فريق من الفقهاء توفر نيّة الإضرار بالدائن و ذهب فريق آخر إلى أن مجرّد علم المدين بان التصرف الذي ينويه يسبب إعساره و لو لم يقصد بذلك التصرف الإضرار بدائنيه. و على الدائن القائم بالدعوى إذن إثبات التحيّل بين المدين و المتصرف معه بجميع وسائل الإثبات المتاحة.

و هكذا نتبين أن الوسائل التي اقرها المشرع لحماية الدائنين من مخاطر الضمان العام اشترطت لتأديتها شروطا صعبة و مجحفة مما لم يجعلها ناجحة في تحقيق هذا الغرض و بقي الدائن العادي مهددا بخطر إعسار المدين الذي كثيرا ما يحدث حتّى دون إهمال المدين أو غشه.

فحتى المدين سيء النية يمكن أن يعمد إلى تنظيم إعساره و هذا لا يجعل هذه التصرفات قابلة للطعن فيها إلا في حالات خاصة و بشروط يصعب الإلمام بها.

و لهذا كان لا بد من إيجاد تأمينات خاصة تحمي الدائن من خطر إعسار مدينه أو من غشه أو إهماله و تكفل له استيفاء حقه كاملا في جميع الأحوال.

[1] حسين عبد اللطيف حمدان :التأمينات العينية دراسة تحليلية شاملة لأحكام الرهن و التامين و الامتياز ص 25

[2] مريم القصتلي. درس

[3] حسين عبد اللطيف حمدان:التأمينات العينية دراسة تحليلية شاملة لأحكام الرهن و التامين و الامتياز

[4] حسين عبد اللطيف حمدان: التأمينات العينية دراسة تحليلية شاملة لأحكام الرهن و التامين و الامتياز ص 31

رمضان محمد ابو السعود/ همام محمد محمود زهران: التأمينات الشخصية و العينية دار المطبوعات الجامعية الإسكندرية ص 15

[6] حسين عبد اللطيف حمدان التامينات العينية دراسة تحليلية شاملة لاحكام الرهن و التامين و الامتياز ص 31