دسترة حظر التعذيب ..بين الامس واليوم

مريم بن تمليست

لقد شكّل انتهاك حرمة النفس والجسد عبر العصور هدفا لتغذية الحيوانيّة ووسيلة لانتصار العدوانيّة. أمام هذا الانتهاك ناضل الإنسان من أجل إرساء حماية تضمن السلامة الجسديّة للفرد متمثّلة في جملة من الحقوق والآليّات التي تضمن عدم التعدّي على الجسد بجميع مكوّناته الماديّة والمعنويّة وحظر كلّ عمل أو امتناع عن عمل ينال منه أيّا كانت الجهة الصادر عنها ذلك العمل وترتيب النتائج والآثار القانونيّة عن كلّ خرق لذلك الحظر بما يكفل للإنسان بأن تسير أعضاء الحياة في جسمه سيرا طبيعيّا وذلك بأن تؤدّي وظائفها الطبيعيّة وأن تظلّ كاملة غير منقوصة وألاّ تلحق بالجسم آلاما بدنيّة وآلاما معنويّة .[1]

ومثّل التعذيب أخطر هذه الانتهاكات, وقد طال كثيرا من العلماء الذين انصبّت على رؤوسهم تهم الكفر والهرطقة, مثل الإيطالي توماس كامبانيلا الذي وضع مؤلّفات تناول فيها بعض النظريّات الخاصّة بالطبيعة, فاتّهم بالهرطقة وسجن وعذّب تعذيبا شديدا. وجيوردانو برونو الذي حاول استكمال أبحاث كوبرنيكوس حول الأرض والأجرام السماويّة وحركتها, فسجن في نهاية القرن السادس عشر وقد أبى الاعتراف بخطأ أفكاره فتمّ تعذيبه : ربط من لسانه وجرّد من ملابسه وقيّدت يداه وقدماه ثمّ أحرق حيّا, و بينما أفصح جاليليو عن المعتقدات العلميّة نفسها, أنقذه الحظّ الحسن من التعذيب, فاكتفى محاكموه بمنع مؤلّفاته العلميّة وحظر تداولها. تعرّض ابن المقفّع كذلك إلى التعذيب, ومثله الحلاّج والسهروردي, وكلّ منهم اتّهم بالكفر وقطعت أطرافه ودقّ عنقه ثمّ أحرق جسده في نهاية المطاف[2].

ومن العجيب أنّ التقدّم الفكري والحضاري الهائل لم يؤدّ إلى القضاء على التعذيب نهائيّا, وكذلك لم تفعل المفاهيم الحديثة التي أعلت من شأن حقوق الإنسان عامّة وجرّمت التعذيب خاصّة, وعلى عكس ما يتوقّع المرء, تكاثرت الأهداف والغايات والمقاصد التي سخّر من أجلها التعذيب, وتنوّعت تنوّعا كبيرا, وتمّ تقنين بعضها في عدد من الدول, كما قنّنت أساليب مروّعة وأصبح التعذيب فعلا متداولا تشكّل الأحداث اليوميّة التافهة ذرائع كافية لممارسته, ثمّ لم يلبث أن صار فعلا اعتياديّا مزمنا, يمارس في بعض الأحوال لذاته وليس لهدف محدّد.[3]

وقد تتالت المحاولات لتعريف التعذيب فقدّمت اللجنة الأوروبيّة لحقوق الإنسان في قضيّة “كراك كايز” في 5 نوفمبر 1965 بمناسبة تفسيرها للمادّة الثالثة من الاتّفاقيّة الأوروبيّة لحقوق الإنسان رأيا جاء فيه ” كلمة التعذيب تستخدم عادة لوصف معاملة غير إنسانيّة والتي لها هدف كالحصول على معلومات أو اعترافات أو إيقاع عقوبة. وهي بشكل عام شكل متفاقم من المعاملة غير الإنسانيّة, إنّ معاملة أو عقاب شخص ما يمكن القول أنّها حاطّة بالكرامة إذا ما عرّضته لإذلال على نحو جسيم أمام الآخرين أو حرمته من العمل ضدّ رغبته أو ضميره “.[4]

هناك تعريف الجمعيّة الطبيّة العالميّة, الذي ورد في إعلان طوكيو الصادر عام 1975, والذي أشار إلى التعذيب باعتباره ” قيام شخص أو عدّة أشخاص سواء كانوا يعملون لحسابهم, أو بأوامر من أيّ سلطة بإلحاق معاناة جسديّة أو عقليّة متعمّدة, لإجبار أو دفع شخص لإعطاء معلومات أو الاعتراف أو لأيّ سبب آخر”.

وقد تبنّى هذا التعريف الأخير أغلب العاملين في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان, وكذلك المجلس الدولي لتأهيل ضحايا التعذيب, وهو أحد أوائل المنظّمات غير الحكوميّة التي وفّرت المساندة والدعم للناجين من التعذيب على مستوى العالم.[5]

هناك أيضا الاتّفاقيّة الأمريكيّة لمنع التعذيب, وقد طرحت هذه الاتّفاقيّة مفهوما أكثر تنميقا ممّا سبق, فهي لا تشترط وقوع المعاناة الجسديّة أو العقلّية فعليّا, وإنّما تعتبر أنّ مجرّد تحجيم القدرات الجسديّة والعقليّة, حتّى دون إلحاق المعاناة بالشخص, شكل من أشكال التعذيب, وقد تبنّت منظّمة مجلس نوّاب الولايات الأمريكيّة التعريف الذي ورد في الاتّفاقيّة الأمريكيّة عام 1985 مقرّرا ما يلي : “يجب فهم التعذيب على أنّه أيّ فعل عمدي يتمّ بمقتضاه إلحاق ألم أو معاناة جسديّة أو عقليّة بشخص ما لأغراض خاصّة بتحقيقات جنائيّة كوسيلة للترويع أو للمعاقبة الشخصيّة, أو كتدبير وقائي أو كعقوبة أو لأيّ غرض آخر. يجب فهم التعذيب أيضا على أنّه استخدام طرق معيّنة تهدف إلى طمس شخصيّة الضحيّة, أو إلى تقليل قدراته الجسديّة والعقليّة حتّى لو لم تتسبّب تلك الطرق في ألم جسدي أو كرب عقلي ” كما يقرر أيضا أنّ ” مفهوم التعذيب لا يجب أن يشمل الألم أو المعاناة الجسديّة أو العقليّة النابعة منه أو الناتجة عن التدابير القانونيّة منفردة, مع ضمان خلوّ تلك التدابير من الطرق المشار إليها سابقا”[6].

 

لقد تبنّت منظّمة الاتحاد الإفريقي الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب عام 1981, ودخل حيّز التنفيذ عام 1986. وتنصّ المادّة الخامسة من هذا الميثاق على أنّه :”لكلّ فرد الحقّ في احترام الكرامة الموروثة في الإنسان بطبيعته, وله الحقّ في الإقرار بوضعه القانوني” وأنّه” يجب حظر كلّ أشكال الاستغلال والحطّ من شأن الإنسان خاصّة العبوديّة وتجارة العبيد والتعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية المهينة اللاّإنسانيّة”.[7]

وقد أثّرت التعريفات على صياغة المادّة الأولى من إعلان الأمم المتّحدة الخاصّ بحماية جميع الأشخاص من التعرّض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاّإنسانيّة أو المهينة التي عرّفت التعذيب بالتنصيص على أنّه : ” لأغراض هذا الإعلان, يقصد بالتعذيب أيّ عمل ينشأ عنه ألم أو “عناء” شديد جسديّا كان أو عقليّا, يتمّ إلحاقه عمدا بشخص ما بفعل أحد الموظّفين العموميّين, أو بتحريض منه لأغراض مثل الحصول من هذا الشخص أو من شخص ثالث على معلومات أو اعتراف أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنّه ارتكبه أو تخويفه أو تخويف أشخاص آخرين ولا يشمل التعذيب الألم أو العناء الذي يكون ناشئا عن مجرّد جزاءات مشروعة أو ملازما لها أو مترتّبا عليها في حدود تمشّي ذلك مع القواعد النموذجيّة الدنيا لمعاملة السجناء “.[8]

وباعتبار أنّ هذه المادّة لا تخلّ بأيّ صكّ دولي أو تشريع وطني يتضمّن أو يمكن أن يتضمّن أحكاما ذات تطبيق أشمل فقد سارعت تونس إلى المصادقة على اتّفاقيّة مناهضة التعذيب في جويلية 1988 كما صادقت على البروتوكول التكميلي للاتّفاقيّة سابقة الذكر في جويلية 2011. ولعلّ تبنّي الدولة التونسيّة للتعريف الوارد صلب اتّفاقيّة مناهضة التعذيب تجسّد بشكل واضح صلب الفصل 101 مكرّر المنقّح بالمرسوم عدد 106 لسنة 2011 المؤرّخ في 2 أكتوبر 2011 من المجلّة الجزائيّة والذي ينصّ “يقصد بالتعذيب كلّ فعل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد جسديّا كان أو معنويّا يلحق عمدا بشخص ما بقصد الحصول منه أو من غيره على معلومات أو اعتراف بفعل ارتكبه أو يشتبه في أنّه ارتكبه هو أو غيره, ويعدّ تعذيبا تخويف أو إزعاج شخص أو غيره للحصول على ما ذكر, ويدخل في نطاق التعذيب الألم أو العذاب أو التخويف أو الإرغام الحاصل لأيّ سبب من الأسباب بدافع التمييز العنصري”.

كما جاء دستور 27 جانفي   2014 معزّزا لهذا المنحى الذي انتهجته البلاد التونسيّة ونصّ في فصله الثالث والعشرين(23) “تحمي الدولة كرامة الذات البشريّة وحرمة الجسد, وتمنع التعذيب المعنوي والمادّي. ولا تسقط جريمة التعذيب بالتقادم ” كما نص في فصله الثلاثين(30)” لكلّ سجين الحقّ في معاملة إنسانيّة تحفظ كرامته” .

وإذا ما حاولنا معرفة أسباب ومبّررات التعذيب, فإنّنا على الأغلب لن نعثر على إجابة شافية ومقنعة وفق ما يرى الفيلسوف “نيتشه” الذي كتب عن ذلك يقول : ” أنّ كلّ تاريخ العقاب الماضي, أيّ تاريخ استخدامه وغاياته المتنوّعة, انتهت إلى نوع من الوحدة والنتيجة التي يصعب تحليلها, ومن المستحيل تعريفها, بحيث لا يمكن اليوم القول بثقة لماذا نعاقب؟ أو لماذا يتمّ العقاب بشكل معيّن؟ إنّ تاريخ التعذيب الساحق بالقدم والمثقل يجعله عصيّا على التفسير إذ ليس بإمكاننا أن نعرف إلاّ ما ليس له تاريخ”.

و لعل تجريم التعذيب في سائر القوانين الدولية هو سعي ممنهج للتقليص من الانتهاكات التي تطال العديد من المواطنين متهمين كانوا أو محكوما عليهم بغرض التنكيل بهم و تجريدهم من إنسانيتهم.

ومن المعلوم ان سيادة القانون تستمدّ من سيادة الدستور, فهو الذي يضع الأسس التي يقوم عليها القانون في كلّ فروعه, فيسمو عليها بحكم مكانته, وتخضع له جميع قواعده القانونيّة بحكم وحدة النظام القانوني الذي يعلوه. وبهذه العلاقة العضويّة بين الدستور والقانون, تتدرّج القواعد القانونيّة من حيث المرتبة, فيتّخذ منها الدستور وضعه الأسمى.[9]

إلاّ أنّ هذا الوضع المتميّز للدستور لا ينفي أنّ المبادئ والقيم التي يحميها, لها جذورها التي تثبت وجوده والتي تتفاعل في ضمير الأمّة, بل والتي تسود في ضمير الشعوب. كما أنّ هذه المبادئ والقيم قد تكون نتاجا لتفاعل القيم الاجتماعيّة وانعكاسا لثقافة الإيمان بالحقوق والحريّات, ممّا يجعلها أحد المصادر المشعّة التي يأخذ بها الدستور لكي يحافظ عليها ويشملها بالحماية والاحترام بحكم وضعه الأسمى في النظام القانوني.[10]

وفقا لهذا المفهوم تقوم الدولة القانونيّة على النظام الديمقراطي الذي يتطلّب احترام الحقوق التي يتمتّع بها الإنسان بصفته الإنسانيّة على أساس أنّ هذه الحقوق تعبّر عن احتياجات المجتمع الديمقراطي وآماله.[11]

ففكرة الحقوق والحريّات تنقل فكرة حقوق الإنسان من المجال الأخلاقي إلى المجال القانوني, ضمانا لاحترامها وحمايتها في مواجهة السلطة.[12]

وفي هذا الصدد يثور البحث عن الحقوق والحريّات التي تنتمي إلى مجموعة حقوق الإنسان والتي أضفت عليها الدولة حماية دستوريّة ولا شكّ أنّ هذا الاختيار يعبّر عن درجة الثقافة القانونيّة في الدولة والقيم التي تعتنقها في ضوء نظامها السياسي والتي تعبّر عنها الإرادة السياسيّة في الوثيقة الدستوريّة.[13]

وقد تطوّر الدستور التونسي في تناوله للحقوق والحريّات على مرّ السنين. و اختلف تناوله لجريمة التعذيب من مجرد التلميح للتصريح نظرا لما عاشته تونس نهاية سنة 2010 من وقع حراك سياسي و حقوقي ووضع مجتمعي استثنائي بكافة المعايير وعلى جميع المستويات, وكان ذلك نتاجا لمناخ احتجاجي متصاعد تطور نحو ثورة تفردت بطبيعتها ومضامينها واعتمدت “الكرامة” شعارا لها.

فإلى أي مدى وفقت المبادئ الدستورية المناهضة للتعذيب في الحد من الانتهاكات المسلطة على الذات البشرية؟

تجرّنا الإشكالية المطروحة للتطرّق صلب (المبحث الأوّل) إلى تكريس حماية الحرمة الجسديّة ومنع التعذيب صلب الدستور في مرحلتيه القديمة (1959) والحديثة (2014) من جهة, وصعوبة التوفيق بين الموجود(الواقع) والمنشود (المبادئ الدستورية) (المبحث الثاني) من جهة أخرى.

المبحث الأوّل : تكريس حماية الحرمة الجسديّة ومنع التعذيب في الدستور

نستهدف من هذه الدراسة أن ترتبط دراسة القانون الجنائي بالشرعيّة الدستوريّة, تأكيدا لوحدة النظام القانوني الذي يحكمه دستور واحد. ومن خلال هذا الارتباط نلقي الضوء على جوانب جديدة في هذا القانون تربطه بسائر فروع القانون, فلا يكون هائما بعيدا عنها, بل مرتبطا معها بحكم موقعه في النظام القانوني الذي يقف الدستور على قمّته. ومن ناحية أخرى, فإنّ كلاّ من قانوني العقوبات والإجراءات في ظلّ الديمقراطيّة وسيادة القانون التي أكّدها الدستور ليسا أداة للقهر أو التحكّم, وإنّما يجب أن يرتكزا على أساس من الدستور الذي يعدّ حماية للحقوق والحريّات[14].

وعلى هذا النحو فإنّ كافّة الحقوق التي تتمتّع بها الحماية الدستوريّة تعتبر حقوقا أساسيّة من الناحية الدستوريّة. فإذا نظرنا إليها من زاوية القانون الطبيعي أطلق عليها اسم “حقوق الإنسان”. وإذا كانت هذه الحقوق قد لحقها التطوّر عمّا جاء في القانون الطبيعي, و عبّرت عنها بعض إعلانات واتّفاقات حقوق الإنسان, فإنّ القوّة القانونيّة لهذه المواثيق الدوليّة تعتمد من الناحية الشكليّة على ما يعطيها إيّاها القانون الداخلي, دون إخلال بقيمتها الدستوريّة التي قد تستخلص ضمنيّا من المبادئ الدستوريّة للمجتمع الديمقراطي والتي لا تقف في وجه أيّ تطوّر يدعّم الكرامة الإنسانيّة. وقد قيل بأنّ كلّ مجتمع لا تكفل فيه ضمانات الحقوق لا أثر فيه للدستور.[15]

وعلى هذا الأساس فإنّ القواعد الدستوريّة الكافلة لحقوق الإنسان لم تكن وليدة العهد بل تدرّج تكريسها عبر التاريخ ومرّ بمراحل متعدّدة. ولعلّ ما يهمّنا في مجال حقوق الإنسان حماية الحرمة الجسديّة للفرد ومنع التعذيب, إذ أنّ الحقّ في المعاملة الإنسانيّة لكلّ إنسان, سواء أكان متّهما أو محكوما عليه بالسجن, والمنصوص عليه في القوانين الجزائيّة وقوانين تنظيم السجون, يجد أساسه القانوني في الدساتير التي وضعت القواعد الأساسيّة التي تبنى عليها حقوق الإنسان. ممّا يعني أنّ بعض الحقوق الدستوريّة هي مضمونة لكلّ النّاس أو المواطنين, بمن فيهم المتّهمين أو المسجونين أو الموقوفين رهن المحاكمة.

وفي هذا الإطار سنتطرّق بالأساس إلى دراسة مرحلتين تاريخيّتين مرّ بهما دستور البلاد التونسيّة وسجّل على إثرهما قفزة نوعيّة في مجال حماية الحرمة الجسديّة للفرد ومنع التعذيب , المرحلة الأولى قبل صدور دستور 2014 أي التي كان أثناءها دستور 1959 ساري المفعول (الفقرة الأولى) والمرحلة الثانية بعد صدور دستور 2014 (الفقرة الثانية) وما حملته من مبادئ وقيم إنسانيّة قيّمة وتطوّر على مستوى التشريعات الدستوريّة الراعية للحماية من التعذيب.

الفقرة الأولى: مرحلة ما قبل صدور دستور2014 (دستور الاستقلال)

كان للبلاد التونسيّة تقاليد زاخرة في المجال الدستوري والتي يعود تاريخها إلى ثلاثة آلاف سنة. عرفت قرطاج المدينة – الدولة الفينيقيّة والتي أسّست في خليج تونس- بقوّتها وبتنظيمها المرتكز على دستورها الخاص. وبعد عدّة قرون, أعطى” عهد الأمان ” في 1857-الذي كان عبارة عن ميثاق لحقوق المواطن- جميع سكّان تونس بعض الحقوق والحريّات, بغضّ النظر عن الدّين أو اللّغة أو اللّون. وجاء دستور 1861 لتصبح تونس في أواسط القرن التاسع عشر أولى البلدان العربيّة التي تصدر دستورا مكتوبا. وبعد ما يقارب قرن من الزمان, وبعد فترة وجيزة من حصول البلاد على استقلالها من فرنسا, اختار التونسيّون تشكيل مجلس قومي تأسيسي لصياغة دستور جديد, والتي تمّت المصادقة عليه في غرّة جوان 1959. وفي العقود التي تلت, تمّ تعديل الدستور عدّة مرّات من أجل تعزيز صلاحيّات رئيس الجمهوريّة, أوّلا الحبيب بورقيبة, الذي حافظ على السلطة لمدّة 31 سنة, ثمّ خلفه زين العابدين بن علي[16].

 

وقد أكّد الباهي الأدغم, أوّل وزير أوّل في الجمهوريّة التونسيّة, بخصوص فكرة الدستور:” أنّ هذه الفكرة كانت بعيدة عن الشعب. فالشعب كان يتذمّر من قديم إلى درجة أنّهم قالوا يجوز الاحتماء بالكافر عن الظالم وهو كلام منسوب للشيخ ابراهيم الرياحي. فالشعب وصل إلى درجة من الذلّ, حتّى أنّ مطلبه لم يكن الدستور بل كان السلامة والعيش في طمأنينة في العائلة, دون أن يأتي جماعة “الوجق” و”الكاراغول” ويخرجون الشخص من بيته لإعدامه أو لضربه إلى غير ذلك… فالشعب كان متطلّعا إلى العدالة وإلى السلامة قبل كلّ شيء.”[17]

إنّ غياب الأساس الشعبي والاجتماعي لفكرة الدستور كضامن للحقوق والحريّات الأساسيّة, الفرديّة منها والجماعيّة, هو الذي أدّى إلى تهميش هذه الحقوق في دولة الاستقلال خصوصا على مستوى التكريس الواقعي. فالأولويّة لم تكن لبناء منظومة متطوّرة وشاملة لهذه الحقوق بل كانت لبناء الدولة ومؤسّساتها, دولة قويّة قادرة على فرض نسق اجتماعي معيّن على مجتمع تقليدي يغلب عليه الفقر والأمّيّة وهو ما يمكن أن نستخلصه من تصريحات الساسة التونسيّين في ذلك الوقت.[18]

وهذا ما يفسح لنا المجال للحديث في (أ) عن غياب التنصيص عن عدم جواز التعذيب وإهانة الذات البشريّة وفي (ب) عن غياب الضمانات الحامية للحقوق والحريّات.

أ) غياب التنصيص على عدم جواز التعذيب وإهانة الذات البشريّة

إنّ غياب مناهضة التعذيب بصورة صريحة صلب الدستور كان نتاجا لجملة من التراكمات والتي تنضوي تحت طائلتها مجموعة من الخطابات السياسيّة التي مهّدت لتراجع مكانة الحقوق الأساسيّة صلب دستور غرّة جوان 1959.

ففي كلمته في افتتاح أعمال المجلس القومي التأسيسي بتاريخ 08 أفريل 1956 أعطى الزعيم الحبيب بورقيبة تصوّره للحرية في علاقتها بالأمن والنظام. فجاء في خطابه ما يلي:” فإن كانت الحرية تكسب المواطن حقوقا مقدّسة فهي تفرض عليه واجبات مقدّسة أيضا, فليست الحرية هي الفوضى, ومن يتعدّى على حرية غيره أو على رزقه وحياته لا يستحقّ أن يكون حرّا(…) فالواجب يدعونا للدفاع عن دولتنا بقبضة من حديد وبعزيمة ثابتة لكيلا ترجع تونس إلى الوراء فيسودها الظلم والعبوديّة والرجعيّة والتعصّب الأعمى البغيض أو الحكم الأجنبي الاستعماري”.

وفي تناغم تامّ مع هذا الرأي جاء في تقديم المقرّر العام لدستور 1959 المرحوم علي البلهوان ” فالسلطة التنفيذيّة القويّة ضمان أصلي لحرية الأفراد والجماعات وحفظ حقوقهم, تمنع كلّ اعتداء من فرد على فرد, أو من جماعة على جماعة, وضمان أيضا للنظام والأمن وسدّ منيع ضدّ كلّ فوضى, فقد سعينا في دستورنا إلى إيجاد حلّ يوفّق بين العدل والحرية ويبعد البلاد في آن واحد على الاستبداد والفوضى.”

ولعلّ مشروع الملكيّة الدستوريّة المؤرّخ في 09 جانفي 1957, كان الأكثر تطوّرا واكتمالا في تصوّره لحقوق الأفراد وحرياتهم الأساسيّة. فقد تمّ تخصيص باب كامل وهو الباب الثاني الذي يحتوي على 23 فصلا لحقوق المواطن وواجباته. وقد تمّ التنصيص في الفصل 9 على كون حرية الفرد مقدسّة. ونصّ الفصل 14 على عدم جواز تعذيب أيّ مواطن أو إنزال عقاب مهين به. ولم يكتف المشرّع بالتنصيص على الحقوق المدنيّة والسياسيّة بل تضمّن حزمة معتبرة من الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة كالحقّ في التعليم والحقّ في الشغل…

ولكن بعد إعلان الجمهوريّة, تمّ إعداد مشروع جديد للدستور في 1958 يأخذ بعين الاعتبار تغيّر النظام السياسي للدولة. وقد شهد نطاق الحقوق الأساسيّة انحسارا في هذا المشروع مقارنة بمسودّة 1957. فعلى مستوى الرمزيّة, تمّ التراجع عن تخصيص باب خاص للحقوق والحريات الأساسيّة وتمّ إدراج هذه الأخيرة ضمن الأحكام العامّة للدستور. وانخفض عدد الفصول المخصّصة للحقوق الأساسيّة من 23 إلى 15 (…) و قد تواصل انحسار مجال الحقوق الأساسيّة مع اعتماد الصيغة النهائيّة لدستور 1959. فانخفض عدد الفصول المخصّصة لها مرّة أخرى من 15 إلى 11. وعلى مستوى الرمزيّة, خلا نصّ الدستور المعتمد من كلّ إشارة لا بالتصريح ولا بالتلميح إلى عدم جواز التعذيب وإهانة الذات البشريّة. وقد يكون هذا التغييب له علاقة بما اصطلح على تسميته في تلك الفترة “بالفتنة اليوسفيّة” وما أعقبها من اضطهاد لأنصار التيّار اليوسفي من قبل دولة الاستقلال.[19]

وقد طرأ على الدستور جملة من التنقيحات أهمّها التنقيحات بمقتضى القانون الدستوري عدد 51 لسنة 2002 المؤرّخ في 1 جوان 2002 والذي جاء حاملا عبارات فضفاضة تتعلّق بالحريّات الأساسيّة في باب الأحكام العامّة, خصوصا تلك المنصوص عليها بالفصول 5 و12 و13 التي لم تخرج من السياق النظري العام المبتور أصلا من آليّات التجسيم الفعلي.

إذ نصّ الفصل 5 بعد تنقيحه” تضمن الجمهوريّة التونسيّة الحريّات الأساسيّة وحقوق الإنسان في كونيّتها وشموليّتها وتكاملها وترابطها.

تقوم الجمهوريّة التونسيّة على مبادئ دولة القانون والتعدّديّة وتعمل من أجل كرامة الإنسان وتنمية شخصيّته.

(…) الجمهوريّة التونسيّة تضمن حرمة الفرد وحرية المعتقد وتحمي حرية القيام بالشعائر الدينيّة ما لم تخل بالأمن العام.”

وجاء بالفصل 12 المنقّح “يخضع الاحتفاظ للرقابة القضائيّة ولا يتمّ الإيقاف التحفّظي إلاّ بإذن قضائي. ويحجّر تعريض أيّ كان لاحتفاظ أو إيقاف تعسّفي.

كلّ متّهم بجريمة يعتبر بريئا إلى أن تثبت إدانته في محاكمة تكفل له فيها الضمانات الضروريّة للدفاع عن نفسه.”

كما نصّ الفصل 13 المنقّح أيضا أنّ “(…) كلّ فرد فقد حريته يعامل معاملة إنسانيّة في كنف احترام كرامته طبقا للشروط التي يضبطها القانون.”

ولم يشكّ أحد في أنّ عبارة “حرمة الفرد” تشمل الحرمة الجسديّة والحرمة المعنويّة في نفس الوقت, إذ تقضي القاعدة الأصوليّة أنّه إذا وردت عبارة القانون مطلقة جرت على إطلاقها.[20]

كما روّج الفصل 13 جديد من الدستور لفكرة الإصلاح الدستوري في تلك الحقبة من الزمن واعتبره العديد من رجال القانون مكسبا هامّا لمنظومة حقوق الإنسان وله تأثير جوهريّ وإيجابي على التشريعات والتراتيب المتعلّقة بالمسائل العقابيّة والإجراءات الجزائيّة التي عليها وجوبا أن تتلاءم معه, واعتبروا أنّ هذه الضمانات مطابقة لأحكام المادّتين 5 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و7 من العهد الدولي الخاصّ بالحقوق المدنيّة والسياسيّة اللّتين لهما تأثير على توجّهات السياسة الجنائيّة في تونس.

ولعلّ انخراط تونس في التوجّه الدولي لمناهضة التعذيب _بمصادقتها على اتّفاقيّة مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاّإنسانيّة أو المهينة بمقتضى القانون عدد 79 لسنة 1988 المؤرّخ في 11 جويلية من نفس السنة والمنشور بالرائد الرسمي بمقتضى الأمر عدد 1800 لسنة 1988 الصادر في 20 أكتوبر 1988_ لم يعقبه تلاؤم واضح وانسجام في التنصيص صراحة على مصطلح التعذيب في الدستور التونسي خلافا لما ورد صلب المادة 2 من اتّفاقيّة مناهضة التعذيب التي جاء فيها “تتّخذ كلّ دولة طرف إجراءات تشريعيّة أو إداريّة أو قضائيّة فعّالة أو أيّة إجراءات أخرى لمنع أعمال التعذيب في أيّ إقليم يخضع لاختصاصها القضائي…”

واكتفت البلاد التونسيّة بإدراج تجريم التعذيب بالفصل 101 مكرّر من المجلّة الجزائيّة بموجب قانون 2 أوت 1999.

في حين كانت العديد من الدساتير في فترة سابقة لمصادقتها على اتّفاقيّة مناهضة التعذيب تجرّم “التعذيب” صراحة, ولعلّ ذلك يعدّ بالأساس تماشيا أمّا مع مقتضيات المادّة الخامسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بغضّ النظر عن قيمته القانونيّة وإمّا استجابة لأحكام المادّة السابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيّة والسياسيّة. وهما النصّان الذين جرّما ودعيا الدول إلى تجريم التعذيب.

من ذلك على سبيل الذكر دستور الجمهوريّة العراقيّة لعام 1970 الذي نصّ في المادّة 22 فقرة أ- على أنّ ” كرامة الإنسان مصونة وتجرّم ممارسة أيّ نوع من أنواع التعذيب العقلي أو الجسدي”.

كما نصّ الدستور المصري في مادّته الثانية والأربعين على “أنّ كلّ مواطن يقبض عليه أو يحبس أو تقيّد حريته بأيّ قيد, تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامة الإنسان, ولا يجوز إيذاؤه بدنيّا أو معنويّا, كما لا يجوز حبسه أو حجزه في غير الأماكن الخاضعة للقوانين الصادرة بتنظيم السجون…”

إنّه وبتضمين الحقوق بالدستور التونسي بطريقة فضفاضة وغير دقيقة، وفي ظلّ غياب النفي الصريح لجريمة التعذيب، وقع فسح المجال واسعا أمام القانون لضبط كيفيّة ممارسة الحقوق والحريات الأساسيّة.

والقانون حسب عبارة النائب نصر المرزوقي، عند مناقشته هذه الفصول من قبل المجلس القومي التأسيسي،”ينظّم ويأذن ويسمح ويحجّر”[21]. ورغم المطالبة بإلغاء هذه الإحالة أكّد نوّاب آخرون الإبقاء عليها. واعتبر أحمد المستيري أنّ هذه الحريات تمارس أوّلا في حدود معيّنة بقوله : ” ينبغي تأكيد مبدأ الحريّات العامّة بما أنّ الحريات هي حقّ من الحقوق وينبغي أيضا أن نؤكّد الحدود أو الميدان الذي تمارس فيه هذه الحريّات العامّة”.[22]

وبإقرار هذه الإحالة منح الدستور السلطة التشريعيّة سلطة مطلقة في إصدار قوانين غير دستوريّة مضيّقة لحقوق الإنسان وترك المجال مفتوحا أمام العديد من التجاوزات لهذه الحريّات باسم القانون.

فالاقتصار على المبادئ العامّة والتنصيص على الحقوق والواجبات دون ضبط الإجراءات التفصيليّة لذلك، فتح الباب أمام إدارة السجون لتنظيمها بمقتضى مذكّرات داخليّة ومناشير لا تتوافق غالبا مع النصوص التي تعلوها مرتبة وقد تتعارض مع المبادئ والقواعد الدوليّة المكرّسة في هذا المجال.

كلّ التنصيصات القانونيّة في تونس لم يكن لها في الواقع أبعاد عمليّة بل كان القصد منها التسويق الخارجي لصورة إيجابيّة لتونس في ظرف كان فيه آلاف المساجين والموقوفين يستغيثون وراء القضبان, وكانت أثناءه منظّمات حقوق الإنسان تنتقد وضعيّة حقوق الإنسان في تونس.

فبمصادقته على اتّفاقيّة مناهضة التعذيب في سبتمبر 1988, أي بعد أشهر فقط من تولّيه مقاليد الحكم, أراد بن علي تدشين فترة حكمه بخطاب يطبعه التسامح وحقوق الإنسان وببادرة رمزيّة “تقطع” مع الماضي الأليم, غير أنّ السنوات التي تلت أكّدت أنّ هذا النهج لم يكن إلاّ وسيلة لكسب الوقت, واكتساب شرعيّة داخل البلاد ومصداقيّتها خارجها. فمنذ عام 1990 تزايد القمع أوّلا ضدّ “الإسلاميّين” و “اليسار الراديكالي”, وبعد ذلك ضدّ الديمقراطيّين والنقابيّين المنتمين للاتّحاد العام التونسي للشغل والناشطين من الرابطة التونسيّة لحقوق الإنسان وغيرهم من المدافعين عن حقوق الإنسان, ليطال في نهاية المطاف أيّ صوت منتقد أو معارض مثل الصحفيّين والمحامين والقضاة, وحتّى المقرّبين من النظام[23].

لقد كشفت الأيّام والأسابيع التي عقبت 14 جانفي 2011 حجم فظاعة الممارسات التي انتهجها نظام الرئيس السابق بن علي, خصوصا فيما يتّصل بتصفية عدد كبير من معارضيه على اختلاف توجّهاتهم السياسيّة واعتقاداتهم الفكريّة, بالطريقة التي تليق به كنظام دكتاتوري استبدادي قمعي بامتياز, ولا تليق إطلاقا بأولئك الأبرياء الذين قضوا نحبهم في زنازين وغياهب سجونه(…) وفيما يلي نورد جانبا آخرا منها يتمثّل في قائمة اسميّة من شهداء التعذيب في تونس منذ سنة 1987, المأخوذة من تقرير هيئة الحريات واحترام حقوق الإنسان, والواردة بإحدى الصحف الأسبوعيّة التونسيّة بتاريخ 13 أكتوبر 2011 .

*عبد الواحد العبدلي: تمّ إيقافه سنة 1991 في منطقة الأمن بسوسة لقضايا سياسيّة, ثمّ توفّي يوم 30 جوان من السنة نفسها وذكر التقرير أنّه قتل تحت طائلة التعذيب.

*نور الدين العلايمي: أوقف بمركز الشرطة بالمتلوي قبل أن يفارق الحياة تحت طائلة التعذيب.

*رشيد الشماخي: قتل تحت التعذيب في مديريّة الأمن بنابل يوم 18 أكتوبر 1991 ….[24]

ولعلّ تفاقم التعذيب مردّه غياب الضمانات الحامية للحقوق والحريات في الدستور.

ب)غياب الضمانات الحامية للحقوق والحريات

لو قمنا بدراسة سوسيولوجيا للتعديلات التي أدخلت على نصّ دستور 1959 لوجدنا أنّ جلّها وأهمّها مقترن بشخص الرئيس, فتنقيح 1969[25] المتعلّق بخلافة رئيس الدولة من طرف الوزير الأوّل في حالة التعذّر الوقتي أو الكلّي, جاء على خلفيّة مرض الرئيس بورقيبة في ذلك الوقت. وتنقيح 1975[26] جاء ليسند الرئاسة مدى الحياة للرئيس بورقيبة. وتنقيح 1976[27] جاء خاصّة ليكرّس ثنائيّة السلطة التنفيذيّة مع تدعيم مكانة الوزير الأوّل في تسيير دواليب الدولة وذلك مراعاة للوضع الصحّي للرئيس بورقيبة وتقدّمه في السنّ, وتنقيح     1988 [28] جاء بعد التغيير في أعلى هرم السلطة في تونس وبالتالي فقد الهاجس الصحّي مبرّره واستردّ الرئيس تبعا لذلك مكانته المحوريّة داخل النظام السياسي مقابل تحجيم دور الوزير الأوّل. وتعديل 1997 جاء لمزيد تحجيم دور البرلمان, المختلّ أصلا بموجب هيمنة الحزب الحاكم على الدولة بأسرها, وذلك بإسناد الاختصاص المبدئي في التشريع إلى رئيس الجمهوريّة, أمّا تعديل 2002 [29] الذي تمّ به استكمال الطبيعة الرئاسيّة للنظام, فقد جاء أساسا لتمكين الرئيس بن علي من الترشّح لولاية ثالثة[30].

وجلّ هذه التعديلات الدستوريّة كانت تصبّ في بحر مزيد هيمنة السلطة التنفيذيّة على القضاء وغياب آليّات فعليّة للرقابة على مدى احترام النصوص الدستوريّة الراعية لحقوق الإنسان والحقوق الأساسيّة كحماية حرمة الجسد من التعذيب ومن الانتهاكات الوحشيّة اللاّأخلاقيّة.

وفي المجمل يمكن القول أنّه وفي غياب التنصيص على القضاء الدستوري في النصّ الأصلي لدستور 1959 , والاكتفاء بالتعديلات الدستوريّة اللاّحقة, والتي جاءت متأخّرة,

تمّ وضع آليّات محدودة الفعّاليّة فيما يتعلّق بالرقابة على دستوريّة القوانين.

على ضوء ذلك تمّ إضافة الباب التاسع في الدستور والمتعلّق بالمجلس الدستوري بموجب القانون الدستوري عدد 90 لسنة 1995 المؤرّخ في 06/11/1995 وتمّ تدعيم صلاحيّات المجلس بموجب القانون الدستوري عدد 51 لسنة 2002 المؤرّخ في 01/06/2002 .

إلاّ أنّه رغم ذلك فقد تمّ الحفاظ على الطابع السياسي والقبلي للرقابة وغلبت على اختصاصات المجلس الصبغة الاستشاريّة, والأهمّ في كلّ ذلك هو كون هذه الرقابة لم يكن لها أيّ تأثير يذكر على القوانين السابقة المخالفة بشكل صارخ للدستور والتي حافظت على نفاذها القانوني الكامل رغم عدم دستوريّتها، ولم تتجاوز مهامّه مراقبة مشاريع القوانين التي يعرضها عليه رئيس الجمهوريّة دون سواه.[31]

كما أغلقت محكمة التعقيب كلّ المنافذ أمام القضاء العدلي لمراقبة دستوريّة القوانين عن طريق الدفع. وكان ذلك في قرارها عدد 27971 جزائي بتاريخ 01 جوان 1988 الذي جاء في حيثيّاته ما يلي:”حيث أنّ الدستور التونسي لم يتعرّض في أحكامه إلى أمر مراقبة دستوريّة القوانين باعتبار أنّ كلّ سلطة تقوم بدورها الطبيعي من غير أن تتداخل إحداها بأيّ وجه من الوجوه في شؤون الأخرى إلاّ بما يساعد على التعاون فيما بينها وعلى تحقيق سلامة التنسيق وحسن التطبيق وبما يحقّق إرادته الصحيحة. وأنّه تفريعا على ذلك لا يجوز للقضاء العادي, المكلّف أساسا بتطبيق القوانين, أن يتطرّق إلى موضوع دستوريّتها, لأنّ ذلك يؤول إلى الحكم عليها الأمر الذي يشكّل تجاوزا لحدود سلطته. وحيث أنّه حينئذ حتّى ولو في صورة ظهور ما يحمل في التطبيق على المراجعة, فإنّ ذلك يظلّ من اختصاص السلطة التشريعيّة دون سواها, فتتولّى المراجعة بالتعديل أو الإتمام أو التعويض حسب القواعد والإجراءات المسطّرة بالدستور, لأنّ إسناد المراقبة للقاضي على أساس امتداد القانون المنطبق إلى روح الدستور وكنهه وإلى المبادئ الفلسفيّة السياسيّة التي يرتكز عليها النظام القائم بأكمله, يحمل بين طيّاته خطر الوقوع في مزالق الانحراف بالأمر إلى انتصاب حكومة القضاة الذين قد يدخلون باسم أخلاقيّة مشتركة في صراع وتصادم مع الإرادة القوميّة التي أوكل التعبير عنها إلى نوّاب الشعب(…)”

إنّ غياب الآليّات الحامية لحقوق الإنسان كان سببا في كثافة التجاوزات داخل السجون في تلك الفترة, ورغم إحداث البلاد التونسيّة الهيأة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسيّة منذ سنة 1991 ومساهمتها في وضع مبادئ باريس حول المؤسّسات الوطنيّة لحقوق الإنسان إلاّ أنّها لم تكرّس تلك التعهّدات على مستوى الواقع وبقيت حبرا على ورق.

فالأصل أن تكون هذه الهيئة الوطنيّة مستقلّة وداعمة للمسار الرامي لحماية الأفراد من التعذيب خاصّة داخل السجون ومراكز الإيقاف. ولكنّ كلّ مطّلع على أحكام الأمر عدد 54 لسنة 1991 المؤرّخ في 7 جانفي 1991, المحدث للهيئة وكذلك نظامها الداخلي المصادق عليه بالأمر عدد 712 لسنة 1992 المؤرّخ في 11 أفريل 1992 يجد أنّ الهيئة العليا هي هيكل استشاري لدى رئيس الجمهوريّة [32]. فرئيس الهيئة مثلا يعيّنه رئيس الجمهوريّة وهو تدخّل صارخ للسلطة التنفيذيّة في مهامّها بطريقة غير مباشرة عبر تعيين أشخاص مناصرين لرئيس الدولة ويعملون لصالحه واستنادا إلى أوامره.

والهيئة العليا لحقوق الإنسان وإن كانت تتميّز بالاستقلاليّة عن السلط القضائيّة والتنفيذيّة والتشريعيّة شكليّا, فإنّها هيئة استشاريّة لدى رئيس الجمهوريّة ومرتبطة ارتباطا كليّا بالرئاسة سواء وظيفيّا أو هيكليّا. وهو ما انتقدته منظّمة العفو الدوليّة حيث أنّه لا بدّ من أن تكون هذه الهيئة مستقلّة استقلالا تامّا عن كلّ السلط.[33]

إنّه ورغم مصادقة تونس على جملة من المعاهدات الدوليّة لحماية حقوق الإنسان, ورغم نشاطها على المستوى الدولي, تميّز الواقع على المستوى الوطني بالانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان. ولم تتوقّف العديد من الهيئات الدوليّة المسؤولة عن حماية حقوق الإنسان عن الإعراب عن قلقها إزاء عدم التنفيذ الفعّال للمبادئ المنصوص عليها في المعاهدات المذكورة أعلاه. فعلى سبيل المثال, وأثناء الاستعراض الدوري لتونس في ماي 1999, أعربت لجنة مناهضة التعذيب عن قلقها من وجود “فجوة واسعة بين القانون والممارسة“, وصرّحت أنّها تشعر بالقلق بشكل خاصّ إزاء التقارير التي تفيد بانتشار ممارسة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية والمهينة التي ترتكبها قوّات الأمن والشرطة, وأسفرت في بعض الحالات عن وفات أشخاص في الحجز, وبالإضافة إلى ذلك, ساور اللجنة قلق بخصوص الضغوط وإجراءات التخويف التي يلجأ إليها المسؤولون لمنع الضحايا من تقديم شكاوى. وعبّرت اللجنة عن قلقها لأنّ عددا كبيرا من القوانين الحامية للمعتقلين في تونس لا تحترم في الممارسة. وفي دورتها الثانية والعشرين “17 مارس-4 أفريل 2008”, شدّدت لجنة حقوق الإنسان المكلّفة بالإشراف على تنفيذ الدول الأطراف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيّة والسياسيّة على قلقها من عدم امتثال السلطات التونسيّة إلى معايير معيّنة من حقوق الإنسان وخاصّة فيما يتعلّق بممارسة التعذيب, وعدم احترام الحريات العامّة, والأحكام التعسّفيّة وغياب استقلال القضاء. [34]

وعلى صعيد آخر لا يتمّ قياس مدى التزام دولة ما بنظام معاهدات الأمم المتّحدة فقط بالتصديق على الاتّفاقيّات الدوليّة ولكن أيضا باحترام تلك الدولة لالتزاماتها التي تعهّدت بها بكامل سيادتها ووفقا للاتفاقيّات المصادق عليها. ومن بين هذه الالتزامات, هناك أوّلا تقديم تقارير منتظمة إلى الهيئات المسؤولة عن تنفيذ الاتّفاقيّات وتنفيذ توصيّاتها. وفي هذا الصدد, حافظت تونس على بعض التزاماتها حيث قدّمت تقاريرها المختلفة بشكل منتظم تقريبا وبحرفيّة مضلّلة, إلاّ أنّ اتّفاقيّة مناهضة التعذيب شكّلت الاستثناء الوحيد, حيث لم يتم تقديم التقرير الثالث الذي كان مقرّرا عام 1997 إلاّ في نوفمبر 2009 .[35]

لقد شكّلت مناهضة التعذيب وحقوق الإنسان وحرياته الأساسيّة منطلق ثورة جانفي 2011 التونسيّة, حيث أنّ الأحداث التي تلت سقوط نظام بن علي جاءت لتؤكّد تشبّث الشعب التونسي بقيم حقوق الإنسان ودولة القانون والتزامه بها.

الفقرة الثانية : مرحلة دستور 2014 (دستور الثورة)

أدّت الثورة التونسيّة[36] إلى مراجعات جوهريّة لمنظومة الحقوق الأساسيّة في اتّجاه تحريرها من القيود القانونيّة التي كبّلتها طيلة العقود السابقة.

فبعد أسابيع قليلة من الثورة قامت تونس بالموافقة على عدّة اتّفاقيّات دوليّة مرتبطة بحقوق الإنسان نذكر من بينها:

– الانضمام إلى البوتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيّة والسياسيّة المعتمد من قبل الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة في 16 ديسمبر 1966 .[37]

– الانضمام إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائيّة الدوليّة المعتمد بروما في 17 جويلية 1998 وإلى اتّفاقيّات امتيازات المحكمة وحصانتها المعتمد بنيويورك في 9 جويلية 2002.[38]

-الانضمام إلى البوتوكول الاختياري لاتّفاقيّة مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاّإنسانيّة أو المهينة المعتمد من قبل الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة في 18 ديسمبر 2002.[39]

وتكتسي المصادقة على المعاهدات الدوليّة لحماية حقوق الإنسان أهميّة كبرى, لأنّ هذه المعاهدات, بمجرّد التصديق عليها ينبغي أن تدمج بشكل أو بآخر في القانون المحلّي وفقا لمبدأ سموّ الاتّفاقيّات الدوليّة على القانون الداخلي, ممّا يسمح للمحاكم بالإحالة عليها والاعتماد عليها في أحكامها وهو الأمر الذي لم يتحقّق منذ استقلال البلاد.[40]

إنّ مواكبة تونس لما وقع الاتّفاق عليه من آليّات لمواجهة التعذيب والتزامها بمقتضى ما صادقت عليه دوليّا بتكريس هذه المواجهة كان وراء السعي لحماية الإنسان داخل هذا البلد من التعرّض للتعذيب.

أوجدت الثورة وضعا قانونيّا مزدوجا ينعكس من ناحية في وجود شرعيّة دستوريّة

هذه الحماية بدأت بوادرها عن طريق تعليق العمل بدستور 1959 في مارس 2011 ثمّ تعويضه مؤقّتا بقانون التنظيم المؤقّت للسلط العموميّة[41], وانتخاب مجلس وطني تأسيسي بتاريخ 23 أكتوبر 2011, صادق هذا الأخير في جلسة تاريخيّة التأمت مساء الأحد 26 جانفي 2014, على الدستور الجديد للجمهوريّة الثانية في تونس بأغلبيّة ساحقة إذ صوّت 200 نائب من أصل 216 شاركوا في عمليّة الاقتراع, ب”نعم” على الدستور المتكوّن من “توطئة ” و 149 فصلا.

ولأنّ حفظ كرامة الفرد وصيانة حرمته الجسديّة من أهمّ الأهداف التي يسعى إليها المشرّع التونسي, سعى إلى إدراج باب كامل وهو الباب الثاني من الدستور الذي اهتمّ بالحقوق والحريّات وأدرج ضمنه 28 فصلا (21 الى 49) .

وتجلّى وعي المشرّع بخطورة التعذيب خاصّة بإدراج فصول تجرّمه صراحة وتحمي كرامة السجين وحقّه في معاملة إنسانيّة تحفظ كرامته.

لذلك سنتطرّق في(أ) إلى الحماية الدستوريّة لحرمة الجسد وكرامة الذات البشريّة, وسنستعرض إلى الآليّات الكفيلة لحماية المبادئ الدستوريّة من الخرق والتجاوز عن طريق (ب) إحداث المحكمة الدستوريّة الضامنة لتطبيق أحكام الدستور.

ا- الحماية الدستوريّة لحرمة الجسد وكرامة الذات البشريّة

إنّ أغلبيّة الدساتير العربيّة نصّت على ما يضمن كرامة السجناء, أو الموقوفين أو المتّهمين, ووضعت المبادئ الأساسيّة لحقوقهم القانونيّة والقضائيّة, ومن بينها, عدم جواز القبض على أيّ إنسان إلاّ وفقا لأحكام القانون وعدم جواز تعذيبه بالإضافة إلى ضمان حقّه في الدفاع الذاتي عن نفسه, أو عبر محام يوكّله للدفاع عنه, واعتباره بريء حتّى تثبت إدانته وكلّ ذلك في إطار أحكام القوانين المرعية لإجراء(…) إنّ الحقّ في المعاملة الإنسانيّة لكلّ إنسان, سواء أكان متّهما أو محكوما عليه بالسجن, والمنصوص عليه في القوانين الجزائية وقوانين تنظيم السجون يجد أساسه القانوني في الدساتير التي وضعت القواعد الأساسيّة التي تبنى عليها حقوق الإنسان, ممّا يعني أنّ بعض الحقوق الدستوريّة هي مضمونة لكلّ النّاس أو المواطنين, بمن فيهم المتّهمين أو المسجونين أو الموقوفين رهن المحاكمة.[42]

و فيما يلي نبحث في أهمّ هذه المبادئ الدستوريّة (1) الحقّ في الحماية من التعذيب و (2) عدم تقادم جريمة التعذيب

1) الحقّ في الحماية من التعذيب

ورد النصّ على هذا الحقّ في معظم الدساتير العربيّة, لكلّ النّاس, وهذا يعني أنّه شمل المتّهمين أو الموقوفين أو المسجونين, فعلى سبيل المثال نصّت المادّة 62 من دستور دولة الإمارات العربيّة المتّحدة على أنّه:”…لا يعرّض أيّ إنسان للتعذيب أو المعاملة الحاطّة بالكرامة”.[43]

ونصّت المادّة (19/فقرة د) من دستور مملكة البحرين على أنّه:” لا يعرّض أيّ إنسان للتعذيب المادي أو المعنوي, أو للإغراء, أو للمعاملة الحاطّة بالكرامة, ويحدّد القانون عقاب من يفعل ذلك, كما يبطل كلّ قول أو اعتراف يثبت صدوره تحت وطأة التعذيب أو بالإغراء أو لتلك المعاملة أو التهديد بأيّ منها.” ونصّت المادّة (20/فقرة د) من هذا الدستور على أنّه:”… يحظر إيذاء المتّهم جسميّا أو معنويّا”. ونصّت المادّة 36 من الدستور القطري على أنّه:”… لا يعرّض أيّ إنسان للتعذيب أو للمعاملة الحاطّة بالكرامة, ويعتبر التعذيب جريمة يعاقب عليها القانون”[44].

 

وقد كرّس الدستور التونسي بدوره سياسة الدولة المناهضة للتعذيب من خلال ما جاء ببعض فصوله من باب الحقوق والحريّات التي ركّزت على تدعيم مبادئ حقوق الإنسان واحترام كرامة الذات البشريّة وصونها من كلّ تعدّي.

وقد تناول الفصل 23 من الدستور هذا الموضوع واقتضى ما يلي:” تحمي الدولة كرامة الذات البشريّة وحرمة الجسد وتمنع التعذيب المعنوي والمادّي…”

ويمكن القول أنّ إدراج هذا الفصل في الدستور من شأنه أن يقطع الطريق على أيّة محاولات لتكرار الممارسات غير القانونيّة والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي قد يمارسها النظام.

بالإضافة إلى ذلك ومن باب تكريس فكرة مناهضة التعذيب ووضع الوسائل الوقائيّة للممارسات غير القانونيّة التي تحدث في أماكن الاحتجاز, سيّما وأنّ أغلب حالات التعذيب تحدث خلال فترات الاحتفاظ أو الإيقاف التحفّظي فقد نصّ الفصل 29 من الدستور أنّه:” لا يمكن إيقاف شخص أو الاحتفاظ به إلاّ في حالة التلبّس أو بقرار قضائي ويعلم فورا بحقوقه وبالتهمة المنسوبة إليه وله أن ينيب محاميا وتحدّد مدّة الإيقاف والاحتفاظ بقانون.”

وفي هذا الفصل تكريس لمبدأ الحرية وحماية المحتفظ به من كلّ الممارسات التي قد يتعرّض لها دون موجب قانوني وقد تكون ماسّة من كرامته وإنسانيّته, خاصّة وأنّه مكّن المحتفظ به من إنابة محام منذ انطلاق الأبحاث الأوّليّة, الأمر الذي قد يمكّن من تفادي حالات التعذيب لوجود عين خارجيّة للمراقبة.

ومن جهة أخرى اقتضى الفصل 30 من الدستور أنّه:” لكلّ سجين الحقّ في معاملة إنسانيّة تحفظ كرامته”, وهذا الفصل له أهميّة قصوى ضرورة أنّه وكما سبق بيانه تعتبر أماكن الإيقاف والإيداع من بين الأماكن التي توفّر مناخا ملائما لممارسة بعض المعاملات المهينة والتي قد تصل إلى حدّ اعتبارها جريمة تعذيب, والتنصيص دستوريّا على ضرورة معاملة السجين معاملة إنسانيّة تحفظ كرامته, فيه تكريس لسياسة الدولة نحو أنسنة الأوضاع السجنيّة ومناهضة كلّ ضروب التعذيب وسوء المعاملة.

إنّ التنصيص على جملة هذه الحقوق صلب الدستور يشكّل في حدّ ذاته حماية لها باعتبار تضمينها في القانون الأسمى للبلاد ممّا يجعلها تكتسب علويّة تستمدّها من علويّة الدستور.

2)عدم تقادم جريمة التعذيب

يلاحظ كنقطة إيجابية أنّ الفصل 5 من مجلّة الإجراءات الجزائيّة الذي كان ينصّ على أنّ الدعوى العموميّة تسقط” بمرور عشرة أعوام كاملة إذا كانت ناتجة عن جناية”, وقد نقّح بمفعول الفقرة الرابعة من الفصل 5 من المرسوم عدد 106 لسنة 2011 المؤرّخ في 22 أكتوبر 2011 والمتعلّق بتنقيح وإتمام المجلّة الجزائيّة ومجلّة الإجراءات الجزائيّة بما جعل الدعوى العموميّة الناتجة عن جريمة التعذيب… لا تسقط إلاّ بمرور خمسة عشر عاما. [45]

ثمّ تمّ تنقيح هذا الحكم ذاته بالفصل 24 من القانون الأساسي لسنة 43 لسنة 2013 المؤرّخ في 21 أكتوبر 2013 والمتعلّق بالهيئة الوطنيّة للوقاية من التعذيب, بحيث أصبحت الدعوى العموميّة في جريمة التعذيب لا تسقط بمرور الزمن وبعد ذلك أتى دستور الجمهوريّة التونسيّة الجديد ليثبّت عدم سقوط جريمة التعذيب بالتقادم في فصله 23.[46]

اقتضى الفصل 23 من الدستور التونسي وأنّه :” تحمي الدولة كرامة الذات البشريّة و

حرمة الجسد وتمنع التعذيب المعنوي والمادي ولا تسقط جريمة التعذيب بالتقادم”.

وقد جاء هذا الفصل الدستوري تماشيا مع نصّ المادّة الرابعة من اتفاقيّة مناهضة التعذيب التي نصّت على أنّه:”

1- تضمن كلّ دولة طرف أن تكون جميع أعمال التعذيب جرائم بموجب قانونها الجنائي وينطبق الامر ذاته على قيام أيّ شخص بأيّة محاولة لممارسة التعذيب وعلى قيامه بأيّ عمل آخر يشكّل تواطأ ومشاركة في التعذيب

2- جعل كلّ دولة طرف هذه الجرائم مستوجبة للعقاب بعقوبات مناسبة تأخذ في الاعتبار طبيعتها الخطيرة.”

وقد استقرّ رأي فقهاء القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي وفقه القضاء على أنّ الجرائم المتعلّقة بالتعذيب هي جرائم خطيرة ولا يمكن أن تسقط بالتقادم شأنها شأن جرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعيّة. حيث أنّ منع تقادم جرائم التعذيب بمرور الزمن هو من أهمّ الإجراءات القانونيّة التي يجب على الدول الأطراف في الاتّفاقيّة اتّخاذها وذلك ضمانا لاحترام أحكامها ومنع حدوث هذه الجريمة إذ أنّه لو لم يمنع سقوط جرائم التعذيب بمرور الزمن لاستمرت أعماله وبإمكان مرتكبيه الإفلات من المساءلة والعقاب بمجرّد مرور مدّة زمنيّة معيّنة وهو ما يعدّ مخالفة للهدف الرئيسي لاتّفاقيّة مناهضة التعذيب ألا وهو الوقاية من حدوث أعمال تعذيب ومكافحة الإفلات من العقاب.[47]

ب)إحداث المحكمة الدستوريّة

حدّد دستور 2014 وضع الاتّفاقيّات الدوليّة في النظام القانوني الوطني, إذ نصّ الفصل 20 من الدستور:” المعاهدات الموافق عليها من قبل المجلس النيابي والمصادق عليها, أعلى من القوانين وأدنى من الدستور.”

ولعلّ علويّة الدستور مقدّسة باعتباره يتصدّر هرم جميع القوانين الدوليّة منها والداخليّة.

وإذا كانت الحماية الدستوريّة للحقوق والحريّات تمثّل أهمّ الدعائم الدستوريّة في القانون بجميع فروعه حين ينظّم العلاقة بين أفراد المجتمع ويوازن بين هذه الحقوق والحريات وبين المصلحة العامّة, فإنّ تحديد الحماية الدستوريّة للحقوق والحريّات يمثّل مشكلة حاكمة في جميع فروع القانون. ولمّا كانت الرقابة على دستوريّة القوانين هي الضمان لقيام القانون على أسس دستوريّة, فإنّه يكون واضحا مدى التلازم بين حقيقتين, أولاهما : أنّ تحديد الحماية الدستوريّة للحقوق والحريّات مشكلة حاكمة في جميع فروع القانون. وثانيتهما: أنّ الرقابة على دستوريّة القوانين هي ضمان أكيد لهذه الحماية, بل هي ركن ركين في الدولة القانونيّة. ومن خلال هذه الرقابة يمكن ضمان تطوّر مفاهيم القانون رغم ثبات الدستور وعدم تعديله, وذلك بالنظر إلى أنّ القضاء الدستوري يعمد إلى تفسير الدستور لإشباع الحاجات المتطوّرة في المجتمع وعدم الوقوف عند المراد بنصوصه عند وضعها.[48]

ويعتبر إحداث المحكمة الدستوريّة بتونس من الإنجازات الهامّة لدستور 2014 وقد عوّضت المجلس الدستوري الذي تمّ تركيزه سنة 1990[49] والذي لم يكن له سوى صفة استشاريّة وقد تمّ إيقاف العمل به بعد الثورة (سنة 2011). وتطبيقا لمقتضيات الدستور صدر القانون عدد 50 لسنة 2015 المتعلّق بالمحكمة الدستورية[50], وهي هيئة قضائيّة مستقلّة ضامنة لعلويّة الدستور وحامية للنظام الجمهوري الديمقراطي وللحقوق والحريات في نطاق اختصاصاتها وصلاحيّاتها المقرّرة بالدستور والمبيّنة بهذا القانون ويكون مقرّها بتونس العاصمة.

واعتبر دستور 2014 القضاء سلطة مستقلّة تضمن إقامة العدل وعلويّة الدستور وسيادة القانون وحماية الحقوق والحريات وأنّ القاضي مستقلّ لا سلطان عليه في قضائه لغير القانون واعتبارا لمنع الفصل 23 من الدستور ذاته لجريمة التعذيب فإنّها تصبح بذلك من الواجبات التي يحمل القضاء على النظر فيها باعتباره حاميا للحقوق والحريات بمنطوق الفصل 102 من الدستور.

ويمكن للمحكمة الدستوريّة المحدثة بمقتضى الفصل 120 من دستور 2014 أن تنظر, من بين أمور أخرى, في القوانين التي تحيلها عليها المحاكم تبعا للدفع بعدم الدستوريّة بطلب من أحد الخصوم في الحالات وطبق الإجراءات التي يقرّها القانون. فإذا قضت بعدم الدستوريّة فإنّه يتوقّف العمل بالقانون في حدود ما قضت به (الفصل 123 من الدستور).

المبحث الثاني:صعوبة استجابة الموجود(الواقع) للمنشود(المبادئ والقيم الدستوريّة)

رغم التطوّر الذي شهدته المبادئ الدستوريّة ومنع التعذيب بصريح الفصل, إلاّ أنّ العوائق الملموسة حالت دون تحقيق المنشود وتجسيد القيم الدستوريّة على أرض الواقع ويعود ذلك إلى (الفقرة الأولى)العقبات المعرقلة للتتبّعات و(الفقرة الثانية) تواصل التعذيب يغذّيه الإفلات من العقاب.

الفقرة الأولى : العقبات المعرقلة للتتبّعات.

بالرغم من المجهودات المبذولة لتتبّع الجناة المرتكبين لجريمة التعذيب داخل المؤسّسة السجنيّة, إلاّ أنّها لم تحظ بالعناية والجديّة الكافية لإصدار أحكام قضائيّة عادلة في حقّهم.

ومن المعلوم أنّ الفترة السابقة لسنة 2011 كانت حافلة بجرائم التعذيب والانتهاكات المنكّلة بأجساد المساجين وتمّ التغاضي عنها وحجبها وترك الجناة ينعمون بالامتيازات والحريّة.

إنّ القضايا والشكاوى ذات الصلة بالتعذيب تعدّ بالمئات وقد ظلّت منذ سنوات حبيسة أدراج وكلاء الجمهوريّة وحكّام التحقيق دون أن تكون موضوع أبحاث وتحقيقات وتقصّيات جديّة ولعلّ العديد منها ظلّ دون نظر.

وعلى أيّة حال فلقد حصل أن أدين بعض موظّفين عموميّين قبل الثورة[51] بسبب أعمال عنف ارتكبوها. لكنّ الأحكام الصّادرة ضدّهم لم تكن تتناسب وخطورة الأضرار الحاصلة للضحايا. كما أنّه لا يمكن بأيّ وجه من الوجوه, أن تعتبر هذه الأحكام مؤشّرا على معالجة أعمال التعذيب وسوء المعاملة التي كانت ممنهجة.

إثر الثورة رفعت عقبة تقديم الدّعاوى إلى القضاء وتمّ تقييد مئات الشكاوى المتعلّقة بالتعذيب لدى المحاكم[52]. ولكن للأسف لم تحظ أيّ من هذه الشكاوى, حتّى اليوم, بمعالجة قضائيّة مرضيّة. بل إنّ غالبيّة القضايا المرفوعة لم تحظ حتّى بأبسط أعمال التّحقيق التي يستوجبها البحث عن الحقيقة.

كما تمّ حفظ عدد هامّ من الشكاوى المرفوعة دون تناولها لا بالفصل ولا حتّى بمجرّد البحث أو انقياد أصحابها من الضحايا إلى التخلّي أو التنازل عنها وسحبها جرّاء سأمهم من السير غير الجدّي للأبحاث و / أو تعرّضهم لتحرّشات وأعمال انتقاميّة سلّطها عليهم أعوان الأمن.

وفي حين نصّ الفصل 28 من مجلّة الإجراءات الجزائيّة على أنّه يتعيّن ” على وكيل الجمهوريّة في صورة الجناية أن يعلم فورا الوكيل العام للجمهوريّة والمدّعي العمومي المختصّ وأن يطلب حالا من حاكم التحقيق الذي بمنطقته إجراء بحث قانوني ” فإنّ قضايا كثيرة تتعلّق بالتعذيب ما تزال تحال إلى مأموري الضابطة العدليّة لاستكمال التحقيق. وتكون نتيجة ذلك أن تتعثّر القضايا ويمضي عليها زمن طويل دون حتّى أن تحظى بأبحاث أوّليّة جديّة.

الفقرة الثانية : تواصل التعذيب يغذّيه الإفلات من العقاب

لقد بيّنت تقارير وبلاغات وضعها ملاحظون محليّون ودوليّون أنّ ممارسة التعذيب لم تتوقّف بعد الثورة بل إنّها ما تزال سارية سواء عند الإيقاف أو خلال فترة الاحتفاظ أو في السجون.

وكتفسير للإفلات من العقاب كثيرا ما تتعلّل السلطات ببطء القضاء الراجع إلى تراكم الملفّات لدى القضاة وشحّ الإمكانيّات. ومع أنّه لا مندوحة من الإقرار بوجوب اتّخاذ إجراءات جذريّة من شأنها أن تحسّن ظروف عمل من يقع على عاتقهم إنفاذ القانون, فإنّ هذا العذر الذي تتعلّل به السلطات لا يمثّل سوى هروب إلى الأمام حيث أنّه يلاحظ أنّ القضايا الأخرى الجنائية والجناحية تحظى عموما بمعالجة جيّدة وتجد طريقها إلى الفصل في آجال معقولة إلى حدّ ما.

إنّ تواصل ممارسة التعذيب لهو تركة ثقيلة من النظام السابق من المتعيّن تصفيتها بإجراءات متلازمة ونوعيّة.

كان يمكن أن يعتبر تكليف مساعد لوكيل الجمهوريّة صلب المحكمة الابتدائيّة بتونس بملفّات التعذيب إجراءا جيّدا لو تمّ تعميمه صلب المحاكم الابتدائيّة جميعها ولو وفّرت لهذا المساعد الوسائل اللازمة المناسبة لممارسة حقّة, مستقلّة فعليّا, وتحظى بالحماية, وشفّافة, ويسهل النفاذ إليها على كلّ شخص معنوي أو مادي.

كما أنّ القضاة الملزمين بإجراء أبحاث سريعة ودقيقة يحتاجون لأن تتوفّر لهم الوسائل والحماية الضروريّة لأداء عملهم في طمأنينة. وبأن “يخبروا وكيل الجمهوريّة بما اتّصل بعملهم من الجرائم أثناء مباشرة وظائفهم”[53].

وعلاوة على ذلك فإنّه من الأهميّة بمكان أن لا يغفل بتاتا عن أنّ عدم إنفاذ القانون أو الامتناع عنه يمثّل خطأ مهنيّا خطيرا ويمكن أن تنجرّ عنه تتبّعات تأديبيّة وعدليّة. علما أنّ الفقرة 4 من الفصل 101 مكرّر من المجلّة الجزائيّة تعتبر معذّبا الموظّف العمومي أو شبهه الذي “يوافق أو يسكت” عن التعذيب, وأنّ الفقرة 4 من الفصل 32 من المجلّة الجزائيّة تعدّ مشاركا “الشخص الذي يعين المجرمين عمدا بإخفاء المسروق أو غيره من الوسائل الأخرى بقصد ضمان استفادتهم من جريمة أو عدم عقابهم”.

وإلى ذلك يندر حكّام التحقيق الذين يأخذون بعين الاعتبار تلقائيّا وفوريّا ما يبدو لهم من آثار ضرب وجروح على مشتبه به يمثل أمامهم أو ما يسمعونه منه من مزاعم تتعلّق بأعمال تعذيب, ذلك أنّ رغم الفصل 14 من مجلّة الإجراءات الجزائيّة يلزم حاكم التحقيق ب” أن يعاين كلّ جريمة ارتكبت بمحضره حال مباشرته لوظيفته أو اكتشفت أثناء عمليّة بحث قانوني”.

أمّا الأطبّاء الشرعيّون وغيرهم من الأطبّاء الخبراء العدليّين الذين اعتادوا أن يضعوا تقارير شرعيّة وطبيّة بالغة الإجمال والإيجاز فحري بهم أن يتقيّدوا بتعليمات بروتوكول اسطنبول وأن يشهّروا بأيّ ضغط وأيّ عرقلة يستهدفان تمسّكهم بأخلاقيّات مهنتهم وحرية ممارستهم.

إثر الثورة أدركت السلطات أنّه لا بدّ من مكافحة التعذيب ومن الشروع في إدخال إصلاحات على المنظومات والمناهج. لذلك صدرت مناشير وتوصيّات موضوعها التصدّي لهذه الآفة, وبرمجت أعمال تكوين في مجال حقوق الإنسان استهدفت الأعوان والإطارات المكلّفين بإنفاذ القانون والقضاة, ونظّمت استشارات وصيغت مشاريع, ساعدت في إنجازها منظّمات دوليّة وجمعيّات, بغاية وضع معايير جديدة مثل مدوّنة سلوك وأخلاقيّات العون العمومي[54], ومدوّنة سلوك وأخلاقيّات قوّات الأمن الداخلي وإصلاح نظام الاحتفاظ الخ…

غير أنّ جميع هذه الإجراءات لا تبدو منتظمة صلب إطار استراتيجيّة شاملة لمكافحة التعذيب. كما أنّ بعض الإجراءات تبدو غير ذات نفع وغير فعّالة في غياب المتابعة والتخطيط الاستراتيجي.

 

 

ان الدستور بتكريسه الصريح لمنع التعذيب افرز مناخا وطنيا متناغما مع الالتزام الدولي ومواز له . الا ان محدودية الامكانيات اللوجستية والمادية كانت ولا تزال حاجزا صلبا يحول دون تحقيق المبادئ الدستورية الضامنة للكرامة الانسانية والحرمة الجسدية للمشتبه بهم والمحكوم عليهم القابعين في السجون التونسية .

فهل يتطلب المسار الانتقالي لمحاربة التعذيب مجرد سن فصول و مبادئ دستورية و ارساء هيئات وهياكل تابعة له؟ ام ان الاصل في الامر اجتثاث ثقافة التعذيب برمتها من عادات وممارسات بعض الموظفين العموميين المتهمين بصفة مباشرة او غير مباشرة ومن قريب او من بعيد بتعذيب المساجين؟؟؟

و الى متى سيطفو على السطح هول التناقض بين النظري و التطبيقي؟؟

فمن ثقل تركة النظام القديم الى غياب سياسة حكومية صريحة العزم على مكافحة التعذيب, الى تلكؤ هيئات مؤسساتية في مسايرة التحول بل وصدها اياه… نجد العديد من الضحايا يموتون و تعدم انسانيتهم في دولة “القانون”.

 

 

فتحية العدواني, حرمة الجسد في القانون الجنائي التونسي, مذكرة لنيل الدراسات المعمقة ,كلية العلوم القانونية بتونس 1994 ,ص2[1]

باريس ا.ش.ا: ادوات للتعذيب و العقاب في مزاد فرنسا, جريدة المصري اليوم, 17مارس 2012[2]

[3] Stower,E ,and Nightingale ,E ,O ,(eds) (1985) the breaking of minds and bodies : torture ,psychiatric abuse and the health profession, New york : freeman

عصام يونس: جلادون في ثياب بيضاء , عمل جماعي بعنوان التعذيب في العالم العربي في القرن العشرين , باريس و القاهرة اللجنة العربية لحقوق الانسان 1998 , ص 155.[4]

[5] World medical association 1975

[6] United nations, 2001, istanbul protocol, New york and Geneva

[7] Organisation of african unity (OAU)(1982), Document CAB/LEG , 67 /3,rev,5(21 I .L.M.58)

صدر هذا الاعلان سنة 1995[8]

احمد فتحي سرور:”الحماية الدستورية للحقوق و الحريات”,دار الشروق,الطبعة الثانية 2000.ص 5[9]

المرجع السابق[10]

[11] Guy Hoarscher ; philosophie des droits de l’Homme ,1993,p,14-21

[12] Collection études juridiques dirigée par Nicolas Molfessis ; La dignité de la personne humaine,No. 78 ,Economica, 1999,p4.

[13] André Morel. Protection des droits fondamentaux et systèmes juridiques –L . effectivité des droits fondamentaux dans les pays de la communauté francophone, AUPEE-UREF ,op.cit,p.320

[14] Favoureu ; la constitutionnalisation du droit pénal et de la procédure pénale, Vers un droit constitutionnel pénal,Mélanges en l’honneur d’André Vitu, Edition cujas,1989,p.169-211.

[15] Franck Moderne ; Le jude de l’Administration et la liberté en France (IDEF,Le juge de l »espace froncophone,1999,p.239).

عملية صياغة الدستور في تونس “التقرير النهائي”,2011-2014, بقلم الرئيس الامريكي الاسبق جيمي كارتر . the Carter center [16]

مداخلة في اعمال ملتقى”المجلس القومي التاسيسي” مركز الدراسات و البحوث و النشر تونس 1986 ص,137-138[17]

لطفي بلال:” درس حقوق الانسان, الجزء الأوّل” ,كلية الحقوق و العلوم السياسية بتونس, السنة الجامعية 2016/2017 ,ص11[18]

لطفي بلال:مرجع سابق,ص.13[19]

محمد علي الزمالي “مذكرة بحث بعنوان” مناهضة التعذيب”[20]

مداخلة النائب نصر المرزوقي ،المجلس القومي التأسيسي،جلسة يوم 20 جانفي 1958،الرائد الرسمي للجمهورية التونسية ،عدد 3 لسنة 1958،ص64.[21]

مداخلة احمد المستيري، المجلس القومي التاسيسي،جلسة يوم 20 حانفي 1958،المرجع السابق ص65.[22]

[23] Quand les ossements livrent leur secret, MDE 13/16/2013-octobre 2013

[24] WWW.arrakmia.com شهادة على زمن الانتهاكات:قائمة اسمية لقتلى التعذيب في مزاكز الامن و السجون منذ 1987, 13/10/2011 ,08:15 , هشام القاسمي.

قانون دستوري عدد 63 لسنة 1969 مؤرخ في 31 ديسمبر 1969 متعلق بتنقيح الفصل 51 من الدستور[25]

قانون دستوري عدد 13 لسنة 1975 مؤرخ في 19 مارس 1975 يتعلق بتعديل الفصلين 40 و 51 من الدستور[26]

قانون دستوري عدد 37 لسنة 1976 مؤرخ في 8 افريل 1976 يتعلق باتمام و تعديل دستور 1959[27]

القانون الدستوري عدد 88 لسنة 1988 مؤرخ في 25 جويلية 1988[28]

القانون الدستوري عدد 51 لسنة 2002 المؤرخ في 1 جوان 2002[29]

[30]

الفصل الثاني من امر 7 جانفي 1991 ” احدثت لدى رئيس الجمهورية لجنة استشارية تسمى الهيئة العليا لحقوق الانسان و الحريات العامة الاساسية”[32]

سهام السوسي ,حماية الفرد من التعذيب ص144[33]

رسالة اللجنة من اجل احترام الحريات و حقوق الانسان في تونس, فيفري 2014 ,ص.5[34]

كانت العلاقات مع لجنة مناهضة التعذيب متوترة جدا منذ عام 1995, عندما قدم السيد خالد بن مبارك شكوى ضد الحكومة التونسية في اعقاب وفاة فيصل بركات الناجمة عن التعذيب.[35]

“الثورة اوجدت وضعا قانونيا مزدوجا ينعكس من ناحية في وجود شرعية دستورية فقدت مشروعيتها يجسدها دستور قائم لم يعد يعكس ارادة الشعب، ومجالس تشريعية فقدت مصداقيتها ومشروعيتها، ومن ناحية اخرى في قيام مشروعية ثورية وليدة صنعها الشعب لم تتحصل بعد على الشرعية القانونية والدستورية الشكلية”.(المحكمة الادارية،راي استشاري عدد 14850 حول مشروع امر يتعلق باحداث اللجنة العليا للاصلاح السياسي صادر بتاريخ 16 فيفري 2011 ،ص2 (غير منشور))[36]

مرسوم عدد 3 لسنة 2011 مؤرخ في 19 فيفري 2011[37]

[38]مرسوم عدد 4 لسنة 2011 مؤرخ في 19 فيفري 2011 [38]

مرسوم عدد 5 لسنة 2011 مؤرخ في 19 فيفري 2011[39]

رسالة اللجنة من اجل احترام الحرياتو وحقوق الانسان في تونس, مرجع سابق ص.8 [40]

قانون التنظيم المؤقت للسلط العمومية او دستور تونس المؤقت: هو قانون تونسي دستوري تاسيسي تمت المصادقة عليه من قبل المجلس الوطني التاسيسي في 10 ديسمبر 2011. وقد تضمن هذا القانون تنظيما دستوريا جديدا لتونس يقضي بوجود ثلاث رئاسات هي: رئاسة المجلس الوطني التاسيسي( صاحب السلطة الاصلية باعتبار ان اعضاءه منتخبون انتخابا حرا و مباشرا من قبل الشعب) و رئاسة الجمهورية و رئاسة الحكومة. وقد حل هذا القانون المنظم للسلط العمومية محل مرسوم 23 مارس 2011 و دستور 1959, قانون تاسيسي عدد 6 لسنة 2011 المؤرخ في 16 ديسمبر 2011 يتعلق بالتنظيم المؤقت للسلط العمومية , الرائد الرسمي للجمهورية التونسية عدد 97 مؤرخ في 20 و 23 ديسمبر 2011.[41]

سعدى محمد الخطيب:”حقوق السجناء وفقا لاحكام المواثيق الدولية لحقوق الانسان و الدساتير العربية و قوانين اصول المحاكمات الجزائية و العقوبات و تنظيم السجون و حماية الاحداث”, منشورات الحلبي الحقوقية,ص.ص.59-62[42]

المرجع السابق ص.62[43]

سعدى محمد الخطيب “المرجع السابق” ص.[44]

تقرير الى لجنة مناهضة التعذيب للامم المتحدة ,الدورة السابعة والخمسون,18 افريل-13 ماي 2016 ص.7[45]

المرجع السابق[46]

وزارة العدل وحقوق الانسان والعدالة الانتقالية:”دليل التصدي لجريمة التعذيب في القانون التونسي”, بالتعاون مع المعهد الدنماركي “ديقنيتي”,ص.48, 2014[47]

احمد فتحي سرور:” الحماية الدستورية للحقوق والحريات”,دار الشروق 2000,ص.7[48]

القانون عدد 39 لسنة 1990 المؤرخ في 18 افريل 1990 المتعلق بالمجلس الدستوري[49]

قانون اساسي عدد 50 لسنة 2015 مؤرخ في 3 ديسمبر 2015 يتعلق بالمحكمة الدستورية[50]

انظر الفقرات 156 الى 172 الواقعة بالصفحتين 33 و34 من التقرير الدوري للدولة التونسية[51]

احصت الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين والمنظمة التونسية لمناهضة التعذيب اكثر من 400 شكوى في التعذيب تم تقييدها لدى المحاكم بعد الثورة.[52]

الفصل 29 من مجلة الاجراءات الجزائية[53]

الامر عدد 4030 لسنة 2014 المتعلق بالمصادقة على مدونة سلوك واخلاقيات العون العمومي[54]