دسترة ضوابط الحقوق و الحرّيات “صحوة البركان”

facebook_1498842362417

“إنّ وضع حكم قضائي موصول بحماية الحقوق و الحرّيات يماثل نسبيا فترة المخاض التي تؤدّي إلى ميلاد حياة جديدة[1]“.

إذا كان لمسألة الحقوق و الحرّيات ما يسوّغها في المحادثات اليومية باعتبارها قد اكتسبت بشيوعها في الاستعمال مفهوما يبدو، للوهلة الأولى، واضح المعالم، فإنّ مقارعتها بسياقها القانوني يبدو عسير التمثّل، ضرورة أنّه في صورة ما إذا أخضعها الفكر القانوني للدراسة، و استحالت إلى مبحث علمي تنشدّ فيه الدقّة، انكشف أمرها عن قدر لا يستهان به من الغموض و استبان ما في مقاربتها من تشعّب و تعقيد و لعلّ ذلك يعزى إلى طائفة من الاعتبارات التي لا يحجُبُ ظاهرُ ما هي عليه من التنوّع و الاختلاف حقيقة تكاملها و ائتلافها في خيط ناظم مداره العلاقة المتعارضة بين النظام العام كمناط للعقد الاجتماعي وممارسة الحقوق و الحرّيات بوصفها “فدية” متخلّدة بذمّة الدّولة لصالح المواطن مقابل احتكارها لامتياز السيادة.

و على ذلك، فإنّ الاستعارة التي استرفدها Michel DRAN والتي مفادها أنّ وضع حكم قضائي ينصبّ على حماية حقّ أو حرّية أشبه ما يكون بفترة المخاض، ليست لا من قبيل الترف الفكري و لا من صميم التزيّد اللغوي ضرورة أنّ القاضي، عند وضعه لحكم قضائي موصول بالحقوق و الحرّيات، لا يسلك جددا يؤمن فيه العثار أو يولّي البصر فينكشف له ما في الافق.

وعليه، فإنّ ما أورده أحدهم بقوله بأنّ “الحقوق لا تهدى و إنّما تكتسب بأسمى درجات المقاومة” مضيفا أن ” الحقوق تولد في القلوب قبل أن توجد على الورق[2]“، ليس إلاّ ايحاءًا بالدور الرّيادي الذي أخذه القضاة على عاتقهم بغية تعزيز المنظومة القانونية للحقوق و الحرّيات وبلورة الآليات القضائية الكفيلة بحمايتها وسط مناخ سياسي ظلتّ فيه روافد الحقوق و الحرّيات ضئيلة لا تعدو أن تتجاوز عتبة بعض الحقوق التقليدية التي لم تتردّد السلط العمومية في الإبقاء على جمودها و إجهاض ديناميتها. لهذا، تبوّأ فقه القضاء الإداري التونسي، بروافده، في مجال الحقوق و الحرّيات منصب حجر الزّاوية، مردّ ذلك أنّ استراق النّظر إلى مختلف الأحكام التي صدرت في هذا المجال- خاصّة في مجال الضبط الاداري- ما يؤكّد أنّ فقه القضاء أدلى في هذه المادّة بنصيبه واستنبط فيها العديد من الحلول التي تشهد على النزعة التحرّرية التي انتهجها القضاة رهانهم في ذلك بلورة رافد فقه قضائي يستدرك على ما غضّ الطرف  عنه و يراجع ما وقع التسليم به.

  و لعلّ المطّلع على أحكام الفصل 49 من دستور 27 جانفي 2014 سيكتشف، إلى حدّ كبير، ما يعضد دور القضاء ويدقّقه في إطار دفاعه عن الحقوق والحرّيات،  ضرورة أنّ استقراء أحكام هذا الفصل ورصد مختلف الآليات القضائية التي جاء بها سيمكّننا  من استجلاء توجّه نحو رسم الخطوط العريضة لضوابط الحقوق و الحرّيات، لتنتصب العدالة، تبعا لذلك، منصب الحصن المنيع للذود  بالحقوق الإنسانية التي جاء بها الدّستور عن كلّ أشكال الحدّ منها و التعسّف في تطويق ممارستها. و ترتيبا على ذلك، لا يخفى على أحد أنّ الآليات التي وقع تكريسها صلب أحكام الفصل 49 تبيّن، إلى حدّ ما، أنّ المشرّع الدستوري لم يشُذْ عن التوجّهات الفقه قضائية باعتبار وأنّه استقى من طفرة المادّة القضائية ووفرتها ليستحيل الفصل 49 إلى “لوحة قانونية” استوعبت طفرة من المواقف القضائية التي تُوّجتْ بارتقائها إلى مصاف الأحكام الدّستورية.

وبغضّ النظر عن المسحة الفقه قضائية التي يتّسم بها الفصل 49، فإنّه لا مناص، في كلّ الحالات، من التأكيد على أنّه يعتبر، إلى حدّ كبير، الأساس الدستوري ليس فقط لضوابط الحقوق والحرّيات إنّما كذلك للآليات الكفيلة لحماية هذا المكسب الدستوري من الانتهاك خاصّة وأنّ إرساء فلسفة جديدة تقوم عليها العلاقة بين الدولة والمواطن يفترض، إلى حدّ كبير، تعزيز الحقوق والحرّيات المكفولة دستوريا بتأصيل آليات قضائية يكون بمقتضاها القول الفصل للسلطة القضائية في وجاهة الحدّ من الحقّ أو الحرّية من عدمه.

ولا يخفى ما للفصل 49 من الدّستور من أهمّية لكونه يشكّل ردّة فعل حقيقية على المنظومة الدّستورية لحقوق الإنسان المنضوية تحت لواء دستور 1 جوان 1959، ذلك أنّ المطّلع عليه، يكتشف لأوّل وهلة، احتشام الأحكام الدّستورية المؤطّرة لها مقارنة بالدّستور الجديد،  ويعزى ذلك إلى اعتبارين على الأقل :

يتمثّل الاعتبار الأوّل في أنّ عدد الأحكام الدّستورية  المؤطّرة للحقوق و الحرّيات لا تعدو أن تتجاوز الإثني عشر فصلا الأمر الذي حال دون تأصيل منظومة حقوقية دستورية فاعلة تستجيب لمقوّمات دولة القانون التي تفترض، فيما تفترضه، ضرورة احترام حقوق وحرّيات المواطن عبر تأصيل أحكام دستورية كافية لها من الاتّساع ما يستوعب مقتضيات المنظومة الأممية لحقوق الإنسان[3]. و قد ألقى ذلك بظلاله على العديد من الحرّيات التي وقع تغييبها من طرف المشرّع الدّستوري، فلئن اعترف الدّستور صراحة بحرّية التعبير إلاّ أنّه لم يكرّس حرّية تأسيس الأحزاب السياسية وهو ما يثير مفارقة تدعو إلى الاستغراب لكون حرّية تكوين الأحزاب السياسية تعتبر ضمانة أساسية متأصّلة في الأنظمة الدّيمقراطية لم تتوان المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في تمديد حقل إشعاعها أن اعتبرتها ركيزة أساسية لدولة ديمقراطية قوامها المواطنة[4].

كما أنّه بالرّجوع إلى دستور 27 جانفي 2014، يتّضح أنّ المشرّع الدّستوري أدرج فئة جديدة من حقوق الإنسان تعرف بحقوق الجيل الثالث وذلك خلافا لدستور 1959 أين وقع تغييب هذه الفئة من الحقوق ممّا يعكس بدوره مفارقة، فمن الغريب أنّ الدستور التونسي الذي نشأ في عهد متميّز بالتحرّر والاستقلالية سار على المنوال القديم أي نماذج دساتير القرن التاسع عشر حيث توقّف عند إقرار الحقوق و الحرّيات التقليدية (المدنية والسياسية) ولم يأخذ على عاتقه إلاّ بصفة استثنائية تكريس الحقوق ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي و امتنع هكذا عن تكريس ما يسمّى بالديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية[5]. و لا يخفى على أحد ما لدسترة حقوق الجيل الثالث من أهمّية مفادها أنّ هذه الفئة من الحقوق تتخطّى الحقوق التقليدية المدنية والسياسية، باعتبارها تعكس تطوّر الحياة المعاصرة الأمر الذي يتّجه معه ضرورة الأخذ بعين الاعتبار صحّة الإنسان وكرامته وحقّه في بيئة سليمة.  ولعلّ المطّلع على دستور 2014 يكتشف، إلى حدّ كبير، تعزيز حقوق الجيل الثالث مشفوعا بتكريس مبدأ التنمية المستدامة صلب الفصل 12 لكونه يجمع وشائج مع هذه الفئة الجديدة من الحقوق.

أمّا الاعتبار الثاني، فمناطه أنّ احتشام المنظومة الدّستورية لحقوق الإنسان تُعزى إلى أنّ المشرّع الدّستوري ضمّن الحقوق و الحرّيات في دستور 1959 صلب فصول تنضوي تحت لواء الباب الأوّل المتعلّق بالمبادئ العامّة، ذلك أنّه لم يأخذ على عاتقه، كما هو الحال مع دستور 2014، تكريس باب برمّته يتّصل بالحقوق و الحرّيات العامّة  ممّا يوحي “بالتوجّس” الواضح من طرف السلطات السياسية من إرساء نظام ديمقراطي تكون السلطة فيه للشعب عبر الاعتراف للأفراد بممارسة الحقوق والحرّيات العامّة طبقا لما تمليه سلامة الدّولة واستمرارية مرافقها العامّة.

و على الرّغم من التعديلات الدستورية المتتالية التي طالت دستور 1959، فإنّه يمكن القول أنّها لم تفضي، عموما، إلى ردّ الاعتبار للحقوق والحرّيات إذ يتفق أغلب الفقهاء أنّ هذه التعديلات كانت تحمل في طيّاتها توسيعا لسلطات رئيس الجمهورية على حساب السلطات الأخرى هذا إلى جانب الجنوح نحو الحدّ من نطاق ممارسة الحقوق والحرّيات بمقولة الحفاظ على استمرارية الدولة واحترام مقتضيات النظام العام. فباستثناء التعديل الدستوري المؤرخ في 1 جوان 2002، والذي وقع بمقتضاه إقحام مفهوم دولة القانون، فإنّ المنظومة الدّستورية لحقوق الإنسان ظلّت على شاكلتها ولم تتدعّم عمليا إلاّ مع دستور 27 جانفي 2014.

فلو وقع الرّجوع إلى دستور 2014 ورصد الباب المتعلّق بالحقوق والحرّيات، للوحظ، لأوّل وهلة، أنّ السلطة التأسيسية قد استطاعت، إلى حدّ ما، رسم الخطوط العريضة للفلك الذي سيقع فيه، لاحقا، ممارسة الحرّيات الأساسية وحقوق الإنسان. في هذا الإطار، يستروح التطوّر الدستوري الملحوظ لمنظومة الحقوق والحرّيات صلب الباب المشار إليه من حيث عدد الفصول المؤطرة لها، فلئن لم يتجاوز عدد الفصول المتعلّقة بالحقوق والحرّيات، كما أسلفنا الذكر، الإثني عشر فصلا صلب دستور 1959، فإنّ عددها يبلغ صلب دستور 2014 تسعة وعشرين فصلا هذا دون الأخذ بعين الاعتبار بعض الفصول الموزعة في مواضع أخرى من الدستور على غرار حرّية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، الحقّ في العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة والتي تنضوي تحت الباب الأوّل المتعلّق بالمبادئ العامّة هذا فضلا عن حقّ التدبير الحرّ والذاتي للشؤون المحليّة بالنسبة للبلديات والجهات والأقاليم المنصوص عليه صلب الفصل 132 من الدستور[6].

ولا يفوتنا أن نشير أنّ ضمان علوية الحقوق والحرّيات يظلّ رهين علوية الدّستور التي في غيابها ،لا يعدو الدّستور أن يكون مجرّد برنامج سياسي، في أقصى الحالات ملزم على المستوى الأخلاقي، أو مجرّد مجموعة من النصائح التي يتلقّاها المشرّع والتي يكون حرّا في الأخذ أو عدم الأخذ بها…” على حدّ تعبير الفقيه Charles EISENMANN[7].

لذلك، وقع تدعيم رقابة دستورية القوانين صلب دستور 2014 والتي تجسّدها المحكمة الدّستورية، ذلك أنّها تكتسي منزلة بالغة الأهمّية خاصّة بالنّظر إلى السّلطات الممنوحة لها مقارنة بالمجلس الدّستوري المنحل الذي لا يعدو أن يكون مجرّد هيكل استشاري ظلّ في تبعية للسّلطة التنفيذية. على أنّ المحكمة الدّستورية تشكّل صلب الدّستور الجديد جهازا قضائيا مستقلا يضمن علوية الدّستور ويساهم في حماية الحقوق والحرّيات وذلك تطبيقا لأحكام الفصل 1 من قانون المحكمة الدّستورية.

و لا تقف أهمّية دستور 2014 في حدود تعزيز الحقوق والحرّيات المكفولة دستوريا، بل يتجاوز ذلك إلى إناطته بعهدة القضاء حمايتها من كلّ انتهاك وذلك أن نصّ صلب الفصل 102 على أنّ القضاء ” سلطة مستقلّة تضمن حماية الحقوق والحرّيات” وقد رافق هذا الدّور الرّيادي المحمول على عاتق السّلطة القضائية، تعزيز الآليات القضائية الكفيلة بالذود عن الحقوق و الحرّيات التي يكفلها الدستور صلب الفصل 49 بما من شأنه أن يوفّق بين ضرورة ضمان جوهر حرّيات الأفراد بوصفها أساس مجتمع ديمقراطي قوامه دولة القانون، وحماية مقتضيات النّظام العام كي لا تستحيل ممارسة الحقوق والحرّيات ضربا لكيان الدولة وزعزعة لأمن المجموعة.

في هذا السياق، إلى أيّ مدى سيفضي رسم الخطوط العريضة لضوابط الحقوق والحرّيات الذي تزامن مع دسترة الآليات المتاحة للقاضي في بسط رقابته عليها إلى تأصيل المعادلة الصعبة التي قوامها السّهر على حماية النظام العام دون أنّ يؤول ذلك إلى تقويض مكتسبات الحقوق و الحرّيات المكفولة دستوريا ؟

تتّجه الإشارة إلى أنّ الاستجابة لمقتضيات هذه المعادلة الصّعبة تقتضي ضرورة توفّر شرطين متلازمين يمكن استخلاصهما من أحكام الفصل 49 من الدّستور أوّلهما عقلنة مجال انطباق ضوابط الحقوق والحرّيات (الجزء 1). أمّا الشرط الثاني، فمداره إخضاع الضّوابط المذكورة إلى رقابة القضاء بالنّظر إلى أهمّية الآليات التي يتوسّلها في نطاق حمايته للحقوق و الحرّيات المكفولة دستوريا ( الجزء 2).

الجزء الأوّل: عقلنة مجال انطباق ضوابط الحقوق و الحرّيات:

بالرجوع إلى أحكام الفصل 49 من دستور 2014، يتّضح أنّه يؤسس لنظام قانوني من شأنه ضمان “حصانة” الحقوق والحرّيات من كلّ تعسّف في الحدّ منها من طرف السلط العمومية. وتستشف ضمانات الفصل 49، في هذا الشأن، من خلال استئثار السّلطة التشريعية بتحديد ضوابط الحقوق والحرّيات[8] (الفقرة الأوّلى). على أنّه لا يجب أن يغيب عن الأذهان أنّ إقرار سلطة القانون في الحدّ من الحقوق والحرّيات لا يكفي، في حدّ ذاته، لضمان علويتها وحمايتها من كلّ انتهاك، ذلك أنّ إطلاق العنان للسلطة التشريعية، في هذا المجال، يكون، بلا مراء، أمرا غير مأمون العواقب. لذلك لم تتغافل السلطة التأسيسية الأصلية في إحاطة تدخّل المشرّع بجملة من القيود عند وضعه لضوابط الحقوق و الحرّيات (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: استئثار السّلطة التشريعية بتحديد ضوابط الحقوق و الحرّيات:

يكتسي القانون منزلة بالغة الأهمّية بالنظر إلى الصّبغة العامّة و المجرّدة التي تنطوي عليها الدساتير عموما ذلك أنّ السّلطة التأسيسية غالبا ما تكتفي بوضع المبادئ العامّة والخطوط العريضة صلب الدستور تاركة بذلك العنان للقوانين لتتكفّل بتحديد شروط تطبيق الأحكام الدّستورية. وعليه، يتّضح أن القانون يضطلع بمهمّة مفصلية حيث يهدف القانون على حدّ تعبير الأستاذ محمّد رضا بن حمّاد إلى “تحديد أحكام نصّ دستوري بدقّة أو إكماله”[9].

وفي هذا السياق، ينصّ الفصل 49 من دستور 2014 على أنّه ” يحدّد القانون الضوابط المتعلّقة بالحقوق والحرّيات المضمونة بهذا الدستور وممارستها بما لا ينال من جوهرها”.

إنّ عبارة “القانون” المعتمدة صلب الفصل 49 تبعث على التساؤل حول المقصود من هذه العبارة. هل أنّ السلطة التأسيسية الأصلية استعملت عبارة القانون في صيغتها العامّة أي جميع النصوص التي تنطوي على قواعد قانونية عامّة ومجرّدة وملزمة أم أنّ عبارة “القانون” تحيل، في هذا السياق، على المعنى الضيّق أي الأعمال الصّادرة عن السلطة التشريعية ؟

لا يعدّ هذا التساؤل من قبيل الترف الفكري، مردّ ذلك أنّ تأويل عبارة القانون في معناه الواسع يكون أمرا غير مأمون العواقب بالنظر إلى تداعياته على النظام القانوني للحقوق والحرّيات خاصّة وأنّ ذلك يؤول إلى إمكانية الحدّ من الحقوق والحرّيات بمقتضى أيّ نصّ قانوني ولو تعلّق الشأن بأمر صادر عن السلطة التنفيذية وهو ما يشكّل مفارقة تدعو إلى الاستغراب لسببين على الأقلّ:

يتمثّل السبب الأوّل في أنّ الفصل 49 يشكّل ردّة فعل حقيقية على الفصل 7 من دستور 1 جوان 1959 الذي كان ينصّ على أنّه “يتمتّع المواطن بحقوقه كاملة بالطرق والشروط المبينة بالقانون ولا يحدّ من هذه الحقوق إلاّ بقانون…”، ذلك أنّ هذا الفصل، على أهمّيته، مثّل، على امتداد عقود، أساسا دستوريا للعديد من “القوانين الصّادرة تطبيقا لفصول الدّستور المتعلّقة بالحقوق والحرّيات والتي كانت هادمة لها”، مردّ ذلك أنّه وقع إصدار عدّة قوانين “تحيل على الأوامر ذات الصّبغة الترتيبية وحتّى القرارات الوزارية للحدّ من الحرّيات”[10]، الأمر الذي يتّجه معه الدّفع بعدم القبول، منطقيا، بالتأويل الواسع لعبارة “القانون” باعتبار أنّ الفصل 49 يمثّل، إلى حدّ كبير، أساسا دستوريا جاء ليعزّز منظومة الحقوق والحرّيات لا لينسج على منوال دستور 1959 الذي أثبت قصوره في هذا المجال.

أمّا السبب الثاني، فيشكّل امتدادا للسبب الاوّل والذي يحيل على الأسس التي تنبني عليها الفكرة التي مفادها أنّ المقصود بعبارة ” القانون” المشار إليها في الفصل 49 ” الأعمال الصّادرة عن البرلمان بوصفه الماسك بزمام السلطة التشريعية…”[11]. على الرّغم من تعدّد الأسس التي يرتكز عليها هذا التأويل، فإنّه يمكن حصرها في مجالين اثنين:

أمّا الأساس الأوّل فيمكن تكييفه بكونه أساسا واقعيا إذ يفيد أنّ القانون يمثّل “تعبيرا عن الإرادة العامّة” و بالتالي فإنّ ضوابط الحقوق والحرّيات لا يمكن أن يتمّ وضعها إلاّ بمقتضى نصّ تشريعي بوصفه يعبّر عن الإرادة العامّة ناهيك أنّ هذه النصوص تكون صادرة، والحالة تلك، عن البرلمان الذي يتكوّن من نوّاب وقع اختيارهم بمقتضى انتخابات من المفترض أن تكون حرّة، شفّافة و  تنافسية.

و على ذلك، تكون مبدئيا الخيارات التي يضعها البرلمان تعبيرا عن الإرادة العامّة بما في ذلك الحدّ من الحقوق والحرّيات رغم الطّابع السّلطوي الذي تعكسه. لذلك، يبدو من الجليّ أن نذهب في اتّجاه المعنى الضيّق للقانون وليس المعنى الواسع ذلك أنّ الحدّ من الحقّ أو الحرّية يجب أن يجد أساسه في النصوص التشريعية الصّادرة عن البرلمان.

أماّ الأساس الثاني، فيجد مصدره في دستور 27 جانفي 2014 الأمر الذي يجعلنا نكيّفه بكونه أساسا دستوريا. ضمن ما تقدّم، لا يخفى على أحد أنّ الفصل 49 من الدّستور، بتنصيصه على سلطة القانون أي الأعمال التشريعية في الحدّ من الحقوق والحرّيات يكون بذلك متناغما مع أحكام الفصل 65 من الدّستور. فلو وقع الانطلاق من هذا الفصل، للوحظ أنّه ينصّ على أنه “تتّخذ شكل قوانين أساسية النصوص المتعلّقة بالمسائل التّالية: -الحرّيات و حقوق الإنسان”.من هذا المنطلق، يستشفّ أنّ إسناد مهمّة تحديد ضوابط الحقوق والحرّيات إلى البرلمان بمقتضى الفصل 49 يجد أساسه في الفصل 65 الذي ينصّ على أنّ المسائل المتّصلة بالحقوق والحرّيات تتّخذ وجوبا شكل قانون أساسي وإذا ما انطلقنا من قاعدة أصولية لتأويل القانون مفادها “إذا كانت عبارة القانون مطلقة جرت على إطلاقها”، فإنّه لا مراء أنّ مسألة الحقوق والحرّيات المنصوص عليها في الفصل 65 يمكنها أن تستوعب في الآن ذاته تكريس الحقّ أو الحرّية وكذلك الضوابط التي ترافقه. وضمن نفس التمشّي، يمكن أن نشير إلى أنّه بالاعتماد على مبدأ توازي الصيغ والشكليات، يكون وضع ضوابط الحقوق والحرّيات بمقتضى قانون متلائما مع هذا المبدأ فإذا كان القانون هو الذي أنيطت بعهدته مهمّة تطبيق الحقوق والحرّيات التي يتضمّنها الدّستور، فإنّه يكون، تباعا لذلك، السّلطة المؤهّلة لوضع الضوابط المتّصلة بها.

على أنّه بقطع النظر عن أهمّية هذا الحدّ الإجرائي الذي وضعه الفصل 49 المتمثّل في استئثار السّلطة التشريعية في وضع ضوابط الحقوق والحرّيات، لا شكّ أنّ أحكام الفصل 49 قد تثير بعض الإشكاليات القانونية والتي قد تكون أمرا محفوفا بالمخاطر عند تأويل المحكمة الدستورية لهذا الفصل. وعموما، يمكن اختزال هذه الإشكاليات في النقطتين التاليتين:

تتعلّق النقطة الأولى بمجال انطباق الفصل 49 الذي بتنصيصه على أنّ القانون يحدّد ضوابط الحقوق والحرّيات “المضمونة بهذا الدّستور” يكون قد قيدّ من مجال انطباقه وهو ما يؤول إلى مفارقة ينطوي عليها هذا الفصل ليجعلنا نتساءل عن وجاهة هذا الخيار الذي ارتأته السّلطة التأسيسية. فمن جهة، تعكس أحكام الفصل 49 نزعة نحو تكريس جملة من الضمانات للحقوق والحرّيات ولكنّها تتوخّى في الآن ذاته “سياسة انتقائية” باعتبار أنّ هذه الضمانات تظلّ حكرا على الحقوق والحرّيات التي يتضمّنها الدستور فحسب. ولعلّ أبعاد هذه المفارقة تتفاقم بالمقارنة مع أحكام الفصل 7 من دستور 1959 الذي يذهب العديد من الفقهاء إلى اعتباره “نسخة مشوّهة” للفصل 49 من دستور 2014، فعلى الرّغم من محدودية هذا الفصل في ضمانه لحصانة الحقوق والحرّيات، إلاّ أنّ صياغته تبدو أكثر تماشيا مع منطق نظام ديمقراطي تحرّري، إذ ينصّ على أن “المواطن يتمتّع بحقوقه كاملة بالطرق والشروط المبيّنة بالقانون”، وبالتالي فإنّ نطاق انطباق هذا الفصل يظلّ أكثر اتّساعا من الفصل 49 الذي بدا مستوعبا للضمانات التي تشمل الحقوق والحرّيات التي ينطوي عليها دستور 2014 فحسب. فلسائل أن يتساءل عن وجاهة هذا الخيار وتداعياته على بعض الحقوق والحرّيات غير المنصوص عليها في هذا الدّستور، فخلافا لما توحي به الصّبغة الشمولية لباب الحقوق والحرّيات وباب المبادئ العامّة، إلاّ أنّه لا يجب أن يغيب عن الأذهان أنّ السلطة التأسيسية قد تغافلت عن تكريس حرّية لا تخلو من الأهمية والمتمثّلة في حرّية الصناعة والتجارة والتي تتولّد عنها حرّية الاستثمار. وبالتالي بقراءة عكسية للفصل 49، نستنتج أنّ الحقوق والحرّيات غير المنصوص عليها بالدستور يمكن أن يقع الحدّ منها بنصّ آخر غير القانون في معناه الضيّق ممّا يجعلنا نقرّ بنسبية هذا الحدّ الإجرائي.

أمّا النقطة الثانية، فتحيل على أنّ ضوابط الحقوق والحرّيات لا تتّخذ وجوبا شكل قانون صادر عن البرلمان في الحالة الاستثنائية التي تعرّض لها الفصل 80 من دستور 27 جانفي 2014 وهي حالة يعتبرها بعض الفقهاء “تمكّن رئيس الجمهورية من ممارسة شبه ديكتاتورية دستورية”[12] وذلك لجملة من الاعتبارات:

يتمثّل الاعتبار الأوّل في أنّ السلطة التنفيذية يمكن أن تتّخذ في هذه الحالة “جميع التدابير التي تحتّمها تلك الحالة الاستثنائية”[13] وهو ما يؤول إلى توسيع اختصاص رئيس الجمهورية إذ يكون مؤهّلا دستوريا باستعمال كلّ الوسائل والتدابير التي يراها ضرورية لتأمين “السير العادي لدواليب الدّولة في أقرب الآجال”. في هذا السّياق، يتّجه التذكير إلى أنّ هذه الحالة الاستثنائية المشار إليها تتّسم بخصوصيتها مردّ ذلك أنّها تفرض قيودا استثنائية على الحقوق و الحرّيات كمنع التظاهر هذا إلى جانب إعلان حالة الطوارئ وحضر الجولان وكلّ هذه القيود يبرّرها السّهر على حماية النظام العام، الأمر الذي يحول دون ممارسة المواطن لحقوقه و حرّياته بشكل طبيعي.

أمّا الاعتبار الثاني، فلا يجب أن يغيب عن الأذهان أنّ هذه “الديكتاتورية الدّستورية” تمكّن رئيس الجمهورية من التدخّل في مجال القانون طالما أنّه في “حالة التدابير الاستثنائية، يمكن أن يتعلّق مجال تدخّل رئيس الجمهورية بأيّ مسألة و بأيّ مجال دون استثناء…”[14]. وعليه، فإنّ توسيع سلطات رئيس الجمهورية يؤول، والحالة تلك، إلى جملة من النتائج التي يختزلها الأستاذ Jean Rivero في المقولة التالية إذ يعتبر أنّ تطبيق الأحكام الدستورية المتّصلة بالحالة الاستثنائية يجعلنا “نتجاوز، إلى حدّ كبير، مشكل التفرقة بين القانون  التراتيب باعتباره يفضي إلى منح رئيس الجمهورية جميع السّلطات التي تمارس داخل الدّولة أو، بصورة أوضح، السّلطات التي يرتئيها مناسبة لمواجهة الأزمة”[15].

بناء على جملة هذه الاعتبارات، يستخلص أنّه، ولئن أخذت السّلطة التأسيسية على عاتقها إحاطة الحقوق والحرّيات بضمانة أساسية تتمثّل في وضع ضوابط الحقوق والحرّيات بمقتضى قانون، إلاّ أنّه لا يجب أن نغضّ النظر عن بعض الثغرات التي تنطوي عليها هذه الضمانة والتي وقع الإشارة إليها. لذلك، يجدر التذكير إلى أنّه بالنظر إلى المآخذ التي يخفيها استئثار السّلطة التشريعية بوضع ضوابط الحقوق والحرّيات، فإنّ ذلك يحتّم تكريس جملة من القيود التي تقع على عاتق البرلمان في وضعه لضوابط الحقوق والحرّيات حتّى لا تكون سلطته في حلّ من كلّ قيد.

الفقرة الثانية: القيود الواردة على سلطة المشرّع في وضع ضوابط الحقوق و الحرّيات:

عادة ما تمنح الأنظمة الدّيمقراطية الدّستورية التي تكفل لمواطنيها حقوقا أساسية البرلمان إمكانية سنّ تشريعات تقيّد تلك الحقوق حيث يكمن الأساس المنطقي وراء تلك الأحكام في أنّ إتاحة الحرّية المطلقة للبعض يمكن أن يقوّض حرّية المجتمع[16]. على أنّ سلطة المشرّع ليست مطلقة في ذلك، ضرورة أنّ الفصل 49 جاء ليرسم معالم السّلطة التقديرية التي يمتلكها المشرّع في وضعه لضوابط الحقوق والحرّيات، ويعتبر البعض أنّ هذا الفصل لم يأتي لمنع المشرّع من التصرّف، وإنّما جاء ليأطّر حرّية الاختيار التي بمقتضاها سيطبّق المشرّع الحقوق و الحرّيات المعترف بها دستوريا[17].

وعلى هذا الأساس، يكشف نظام تقييد ضوابط الحقوق والحرّيات المنصوص عليها صلب الفصل 49 عن جملة من الالتزامات المحمولة على عاتق المشرّع والتي يمكن اختزالها في ثلاث نقاط أساسية أوّلها عدم المساس من جوهر الحقّ أو الحرّية (أ). أمّا النقطة الثانية فتحيل على مبدأ أساسي يحكم ضوابط الحقوق والحرّيات والمتمثّل في مبدأ الضرورة (ب)مشفوعا بمبدأ آخر لا يقلّ أهمّية و المتمثّل في التناسب (ج).

  • عدم المساس من جوهر الحقّ أو الحرّية:

يقصد بجوهر الحقوق أو الحرّيات أنّ القانون الذي سيضع الّضوابط المتّصلة بها لا يجب أن يفضي، بأيّ حال من الأحوال، إلى تشويهها لدرجة أنّها تختفي و تفقد تكريسها. ذلك أن حماية جوهر الحقّ أو الحرّية يحمل على عاتق المشرّع التزاما مفاده أنّ الأعمال التشريعية التي بمقتضاها وقع تنظيم الحقوق و الحرّيات لا يجب أن تمثّل انتهاكا صارخا لها لدرجة أنّها تفرغ من محتواها الأمر الذي يؤول إلى عقلنة النشاط التشريعي في ميدان الحقوق والحرّيات خاصّة وأنّ البرلمان يكون مدعوّا إلى رسم الخطوط العريضة لتداعيات الأحكام الدّستورية المتّخذة في هذا المجال على جوهر الحقّ أو الحرّية[18].

بالنظر إلى أهمّية هذا القيد الوارد على سلطة المشرّع في وضع ضوابط الحقوق والحرّيات، يجدر التذكير إلى أنّ العديد من الدساتير تتضمّن حضرا قاطعا للممارسات التي من شأنها أن تشكّل انتهاكا صارخا للحقوق والحرّيات ممّا يشي ضمنا بتكريس “جوهر الحقوق والحرّيات” صلب بعض الأنظمة المقارنة من ذلك الدّستور البرتغالي، الدّستور الألماني…

لا يخفى على أحد أنّ هذا الشرط، على أهمّيته، فإنّه، مع ذلك، لا يخلو من المآخذ التي تنصرف خاصّة إلى غموض مفهوم “جوهر الحقّ” ممّا سيحتّم تدخّل فقه القضاء الذي سيلعب دورا هامّا في توضيح معالم هذا الشّرط. و لقد أكّد بعض الفقهاء على أنّ الإشارة إلى مصطلح “جوهر الحقّ” أو “الكرامة الجوهرية” صلب الدّستور يمنح القضاة هامشا من الحرّية، باعتبار أنّه بالنظر إلى عدم وضوح هذا المفهوم، فإنّ القضاة يتسنّى لهم وضع بعض المعايير التي تمكّن من تحديد درجة انتهاك حقوق الإنسان وحرّياته أثناء بسط رقابتهم على الضوابط التي وقع وضعها من طرف المشرّع[19]. وعليه، فإنّ المحكمة الدّستورية ستلعب، في هذا المجال، دورا رياديا لا يخلو أحيانا من بعض الصعوبات التي تتّصل بتأويل أحكام الفصل 49 من الدّستور الذي يراه البعض “العمود الفقري للدّستور برمّته”[20] حيث أنّ فاعلية هذا الفصل ستظلّ قرينة الصّلة بفقه القضاء الذي سيتولّد عنه وخاصّة فقه قضاء المحكمة الدّستورية.

على الرّغم من أنّ “جوهر الحقوق والحرّيات” يمثّل قيدا على الضوابط التي تطرأ عليها إلاّ أنّه لا يمكن أن ننكر أنّ فاعلية هذا الشرط تظلّ مرتبطة بشروط أخرى لا تقلّ أهمّية مردّ ذلك أنّ احترام جوهر الحقّ يقتضي مراعاة جملة من الاعتبارات من ذلك الدّاعي إلى وضع ضوابط للحقوق والحرّيات أو ما يعبّر عنه بمبدأ الضرورة.

  • مبدأ الضرورة: (le principe de nécessité)

بالرجوع إلى أحكام الفصل 49 من دستور 2014، يتّضح أنّ السّلطة التأسيسية الأصلية قيّدت سلطة المشرّع بحدّ إجرائي والمتمثّل في مبدأ الضرورة، ذلك أنّ الفصل 49 بالإضافة إلى تنصيصه على أنّ القانون هو الذي يحدّد ضوابط الحقوق والحرّيات اقتضى أن “لا توضع هذه الضوابط إلاّ لضرورة تقتضيها دولة مدنية ديمقراطية وبهدف حماية حقوق الغير، أو لمقتضيات الأمن العام، أو الدفاع الوطني، أو الصحّة العامّة، أو الآداب العامّة…”.

إنّ المتأمّل في أحكام هذا الفصل يستنتج، لأوّل وهلة، أنّ حالات الضرورة التي وقع ذكرها على سبيل الحصر تمثّل ضمانة بالنسبة للموطنين من شأنها أن تنوء بالحقوق والحرّيات التي يضمنها لهم الدّستور عن كلّ انتهاك نتيجة التعسّف في الحدّ منها، إذ أنّ الضوابط التي تُضرب على ممارسة كلّ حقّ أو حرّية لا يمكن، بأيّ حال من الأحوال، أن تخرج عن نطاق حالات الضرورة التي وقع تحديدها بصورة صارمة من قبل الفصل 49 باعتبار أنّ هذه الحالات تبقى المبرّر الوحيد لوجود الضوابط التي تحدّ من الحقوق و الحرّيات.

على أنه لا يمكن المرور على حالات الضرورة التي تعرّض إليها الفصل 49 دون أن نثير جملة من التحفّظات التي مردّها استعمال السّلطة التأسيسية لأسلوب “سردي” في تحديد حالات الضرورة التي تشرّع لوضع ضوابط للحقوق والحرّيات ممّا يثير القلق على تداعيات هذا الشطط  في استعراض حالات الضرورة على جوهر الحقوق والحرّيات وذلك بالنّظر إلى جملة من الاعتبارات:

يتمثّل الاعتبار الأوّل في أنّ الفصل 49 ينطوي على قائمة موسّعة من حالات الضّرورة التي، ولئن كان البعض منها له ما يبرّره على غرار احترام مقتضيات الدّولة المدنية ، حقوق الغير، والأمن العام، إلاّ أنّ بعض حالات الضّرورة الأخرى من ذلك “الدّفاع الوطني” “الصحّة العامّة” ” الآداب العامّة” تدعو إلى التساؤل عن وجاهة إدماجها صلب هذا الفصل، إذ كان، من باب أولى وأحرى، أن تقتصر السّلطة التأسيسية على مفهوم النظام العام الذي يشكّل مفهوما متطوّرا قادرا على استيعاب هذه المفاهيم ” المطّاطية “[21]. فعلاوة على مكوّناته التقليدية المتمثّلة في الأمن العام، الصحّة العامّة، والسكينة العامّة، فإنّ النظام العام، بوصفه مفهوما متطوّرا[22]، استطاع أن يتأقلم مع المعطيات الجديدة للمجتمعات ولنا في فقه القضاء الفرنسي والتّونسي أسوة في ذلك، فالقضاء الإداري خاصّة استطاع أن يطوّع هذا المفهوم لدرجة استحال معها النظام العام مفهوما متشعّبا له من الاتّساع ما يستوعب النظام العام الأخلاقي[23]، النظام العام الجمالي، النظام العام الاقتصادي… وهنا يثور التساؤل عن وجاهة ودواعي هذا الخيار الذي ارتآه واضعو الدّستور فسواء كان ذلك عن حسن أو سوء نيّة يبدو أنّه لا يوجد داعي لهذا الخيار غير محمود العواقب الذي توخّته السّلطة التأسيسية المتمثّل في استعراض قائمة مطوّلة من حالات الضّرورة. ألم يكن من الأجدى أن تقتصر على مفهوم النظام العام الذي- كما أسلفنا القول- قابل لاستيعاب، في الوقت ذاته، مفهومي “الأمن العام” و “الدفاع الوطني” ؟ ألا يبدو من الجليّ أنّ مفهوم الأمن العام يشمل فيما يشمله مفهوم الدّفاع الوطني؟ كما لا يفوتنا أن نشير أنّ إقحام مفهومي الصحّة العامّة والآداب العامّة صلب هذا الفّصل ليس شيئا آخر سوى ضرب من التزيّد اللّغوي الذي قد تكون له تداعيات وخيمة على مستقبل الحقوق والحرّيات بالنّظر إلى أنّ النظام العام يرتكز على الصحّة العامّة كإحدى أركانه التقليدية، والآداب العامّة قابلة للاستيعاب من طرف النظام العام الأخلاقي الذي وقع بلورته من طرف فقه القضاء وبالتالي فإنّه كان بالإمكان الاقتصار على مفهوم النظام العام بوصفه ضرورة تحتّمها مقتضيات العيش المشترك دون حاجة إلى توخّي هذا الأسلوب السّردي من لدن المشرّع الدستوري.

أمّا الاعتبار الثاني فيشكّل امتداد للاعتبار الأوّل، فنظرا إلى استعراض قائمة مطوّلة من حالات الضرورة صلب الفصل 49 فإنّ ذلك سيكون له وقع واضح على جوهر الحقوق والحرّيات التي يضمنها الدّستور لا سيّما وأنّ استعمال واضعي الدستور لعدة مفاهيم “مطّاطية” التي قد تفتح الباب على مصراعيه لتأويلها يعتبر أمرا محفوفا بالمخاطر من ناحية أنّ اللّجوء لتأويل هذه المفاهيم قد يفضي إلى الحدّ من مجال انطباق الحقوق والحرّيات بالتعسّف في وضع ضوابط لها و يكون مبرّر السلط العمومية في ذلك الآداب العامّة التي تمثّل مفهوما متغيّر المعالم ويتباين من مجتمع إلى آخر كما أنّ مفهوم الدّفاع الوطني قد لن يكون مأمون العواقب في تأويله من طرف السّلط العمومية خاصّة بعد التغيّرات التي عصفت بالبلاد ممّا جعل مسألة الأمن أكثر حساسية أكثر من أيّ وقت مضى وقابلة للتطويع من طرف السلط العمومية بشكل أو بآخر.  ولعلّ ذلك قد دفع بالبعض إلى القول أنّ “تعداد العناصر التي يمكن اعتمادها لتحديد الحقوق والحرّيات وممارستها من حقوق الغّير ومقتضيات الأمن العام والدفاع الوطني أو الصحّة العامّة أو الآداب العامّة يمكن أن يؤدّي إلى فتح الباب لاحقا للنيل من الحقوق والحرّيات ذلك أنّ هذه المفاهيم المطّاطية “كالأمن العام و الدفاع و الآداب…” يمكن تطويعها و التوسّع فيها وتضرب الحرّيات استنادا إليها  لذا كان من الأفضل التوقّف عند الجزء الأوّل من مبدأ الضرورة و الاكتفاء بذلك “[24].

بقطع النّظر عن هذه التحفّظات التي تتّصل بمبدأ الضرورة، فإنّ ذلك لا يشكّك في أهمّية الفصل 49 الذي وقع تكييفه بكون “ثورة في القانون الدّستوري التونسي”[25] فعلاوة على مبدأ الضّرورة الذي يمثّل “حدّا موضوعيا”، لا يجب أن يغيب عن الأذهان أن هذا الفصل ينطوي على ضمانة لا تقلّ أهمّية والتي كان لفقه القضاء دور ريادي في بلورتها وتوضيح معالمها والمتمثّلة في مبدأ التناسب.

ج- مبدأ التناسب: (le principe de proportionnalité)

يتّسم مبدأ التناسب بتشعّبه باعتبار أنّ مجال انطباقه ينسحب تقريبا على كلّ فروع القانون. وعموما، يعرّف مبدأ التناسب بكونه تلاؤم الحدود التي تسلّطها السلط العمومية على ممارسة الحقوق والحرّيات مع الظروف والملابسات التي حفّت بها والغاية التي دفعت بها إلى اتخاذ تدابير معيّنة تحدّ من الحقوق والحرّيات الأساسية التي يضمنها القانون. وعليه يمكن اعتبار التناسب نوعا من “التوافق بين الفعل وردّة الفعل”[26] ممّا يحيل على الفكرة التي مفادها أنّ ضوابط الحقوق والحرّيات بما هي تدابير تحدّ منها، لا يجب أن تتعدّى ما هو ضروري لتحقيق الغاية التي من أجلها تمّ وضعها والتي تتمثّل في حماية النظام العام. ضمن ما تقدّم، يستخلص أنّ الحدّ من الحقوق والحرّيات لا بدّ أن يكون “عقلاني أي متناسب مع طبيعة وأهمّية الاضطراب الذي يرمي إلى الاحتياط منه…”[27] وهو ما يفيد أنّ مجال انطباق هذه الحدود يتباين بتباين أهمّية خطورة الاضطراب الذي يمكن أن يتسبّب فيه ممارسة الحقوق والحرّيات المعترف بها[28].  و على الرّغم من أنّ مبدأ التناسب يختلف عن نظيره المتمثّل في مبدأ الضّرورة، فإنّ جانبا من الفقه يذهب إلى اعتبار أنّه لا مجال للتفرقة بين هذين المبدأين ذلك أنّ مبدأ الضرورة يمكن أن يستوعب مبدأ التناسب بل أنّ التداخل بين هذين المبدأين دفع بالعميد عياض بن عاشور إلى القول أنّ مبدأ التناسب ليس  سوى “نسخة” (une version) من مبدأ الضرورة[29].

و بالرّجوع إلى أحكام الفصل 49، يتّضح أنّه ينطوي على هذا المبدأ، ذلك أنه يستشفّ أنّ السّلطة التشريعية عند وضعها لضوابط الحقوق والحرّيات، علاوة على كونها محمولة على الانحصار ضمن مجال انطباق حالات الضّرورة المشار إليها، يجب أن تأخذ بعين الاعتبار ضرورة “احترام التناسب بين هذه الضوابط وموجباتها…”.

والحقيقة أنّ هذا المبدأ، على أهمّيته، كمبدأ مضمّن بالدّستور بوصفه أعلى قاعدة في سلّم القواعد القانونية، فإنّه يعتبر نتاجا للدّور الإنشائي للقاضي الإداري الذي جعل من هذا المبدأ ركيزة أساسية يستند عليها لحماية الحقوق والحرّيات من كلّ انتهاك وللحدّ من السّلطة التقديرية للإدارة في هذا المجال. فبالعودة إلى فقه القضاء الإداري لمجلس الدّولة الفرنسي، نستنتج أنّه قد ساهم، إلى حدّ كبير، في توضيح معالم مبدأ التناسب ذلك أنّ العديد من القرارات التي وقع إصدارها في مجال الرّقابة على الحقوق والحرّيات تنمّ عن الدّور البنّاء الذي لعبه مجلس الدّولة في هذا المجال والذي مثّلت قراراته مرجعا هامّا للقاضي الإداري التّونسي ممّا جعل من هذا المبدأ أداة فاعلة لضمان الحقوق والحرّيات الفردية من جهة وحماية مقتضيات العمل الإداري من جهة أخرى. ولعلّ المطّلع على فقه قضاء مجلس الدّولة يكتشف أنّ بوادر مبدأ التناسب ظهرت منذ قرار Abbé Olivier الصّادر في 19 فيفري 1909 الذي اعتبر فيه مجلس الدّولة الفرنسي أنّ القرار البلدي القاضي بمنع تنظيم تظاهرات دينية و إقامة مواكب جنائزية فيها يقع ارتداء ملابس ذات إيحاءات دينية قرارا غير شرعي بالنظر إلى كونه مشطّا و غير متناسب مع الغاية وكذلك الظروف والملابسات  التي دفعت برئيس البلدية إلى اتّخاذه[30].

وبالنّظر إلى أنّ المشرّع سيكون محمولا على ضرورة احترام مبدأ التناسب عند وضعه لضوابط الحقوق والحرّيات، فلا مراء أنّ احترام هذا المبدأ يكون تحت رقابة القاضي الدّستوري الذي يستبعد القوانين التي تشكّل خرقا لمبدأ التناسب. ذلك أنّ هذا المبدأ يعارض به المشرّع عند وضعه للقوانين وكذلك تعارض به الإدارة عند ممارستها للتدابير الضّبطية التي ترمي لحماية النظام العام تحت رقابة القاضي الإداري.

و عليه، فإنّ هذه القيود، على أهمّيتها، لا تكفي، لوحدها، لضمان حماية الحقوق والحرّيات من كلّ نيل أو انتهاك، ذلك أنّ الضوابط التي تضمّنها الفصل 49، علاوة على كونها تظلّ مقترنة بجملة من القيود الأمر الذي يحيل على عقلنة مجال انطباق ضوابط الحقوق والحرّيات، فإنّ ذلك لا ينفي تدخّل السّلطة القضائية لبسط رقابتها على هذه الضوابط التي يضعها المشرّع والتي تستند عليها الإدارة بوصفها مؤتمنة على النظام العام وفرض الانضباط اللاّزم داخل المجتمع ممّا يشي بالدّور الرّيادي الذي أسنده الفصل 49 للقضاء في إرساء دعائم دولة القانون وحماية حقوق الأفراد.

الجزء الثاني: تعزيز آليات الرّقابة القضائية على ضوابط الحقوق والحرّيات:

بالعودة إلى أحكام الفصل 49، يستروح أنّه “تتكفّل الهيئات القضائية بحماية الحقوق والحرّيات من أيّ انتهاك…”.

لا يخفى على أحد أنّ مقتضيات هذا الفصل تكتسي منزلة بالغة الأهمّية بالنظر إلى كونها قد أسندت إلى السّلطة القضائية دورا مصيريا في الرّقابة على ضوابط الحقوق والحرّياتذلك أنّ المشرّع الدستوري لم يكتف بوضع الحدود الفاصلة لضوابط الحقوق والحرّيات وإنّما تجاوز ذلك بأن أوكل زمام الرقابة على هذه الضوابط إلى السّلطة القضائية وهو ما يعتبر نتيجة منطقية داخل مجتمع ديمقراطي خاصّة وأنّ جانبا من الفقه يذهب إلى القول بأنّ العدالة هي “الدًّيْنُ الأوّل المتخلّد بذمّة الدّولة مقابل منحها امتياز السيادة”[31] وهو ما يفيد بأنّ وجود القضاء يشكّل أمرا حتميا باعتباره يمثّل ضمانة من شأنها أن تنوء بالموطنين عن كلّ أشكال الظلم والتسلّط التي يمكن أن تنشأ عن منح الدّولة هذا الامتياز.

و عموما، بغضّ النّظر عن عمومية عبارة ” الهيئات القضائية” التي تجعلها واسعة النطاق لتستوعب جميع الهياكل القضائية التي ينطوي عليها الدّستور[32]، فإنّه يتّجه الاقتصار على الآليات المتاحة لكلّ من القضاء الإداري والقضاء الدّستوري في نطاق الرّقابة على ضوابط الحقوق والحرّيات وذلك لطفرة المادّة القضائية المستقاة من فقه قضاء المحكمة الإدارية والصّادرة في ميدان الضّبط الإداري[33] وكذلك نظرا لما سيلعبه القضاء الدّستوري من دور ريادي في حماية الحقوق والحرّيات الدّستورية على ضوء التطوّرات التي شهدها صلب دستور 2014.

لذلك، يتّجه تسليط الأضواء على آليات الرّقابة القضائية المتاحة للقاضي الإداري في بسط رقابته على أعمال السّلط الإدارية التي تعرّض لها الفصل 49 (فقرة 1) هذا إلى جانب الآليات الماسك بزمامها القاضي الدّستوري الذي سيكون له، هو الآخر، دور لا يقلّ أهمّية في حماية الحقوق و الحرّيات المضمونة دستوريا (الفقرة 2).

الفقرة الأولى : آليات الرّقابة القضائية المتاحة للقاضي الإداري :

يكتسي  وجود القضاء الإداري داخل المجتمع منزلة بالغة الأهمية لكونه يتبوّأ منصب حجر الزّاوية لدولة القانون، حيث أنّ المستقرئ للتعاريف التي جاء بها الفقه لتوضيح معالم دولة القانون تؤكّد، إلى حدّ كبير، وجود علاقة تلازمية بين القضاء الإداري و دولة القانون التي يعتبرها البعض ” الدّولة التي يقع فيها معاينة وتسليط العقاب، من طرف القضاء، على الخروقات التي ترتكبها الإدارة في شأن مبدأ الشّرعية”[34].

وبقطع النظر عن النقائص التي تشوب هيكلة القضاء الإداري، فإنّ ذلك لم يكن حائلا للقاضي الإداري بالاعتراف بدوره كحام للحقوق والحرّيات، ذلك أنّ هذا الاعتراف قد ورد في حيثية شهيرة وتاريخية تشهد على جرأة القاضي الإداري ونزوعه نحو تخطّي الصعوبات- على اختلاف مشاربها- التي ما انفكّت تعترضه في إطار بسط رقابته على السّلطة التنفيذية بوصفها “أشدّ سلطات الدولة خطرا على حقوق الأفراد وحرّياتهم وذلك بحكم وظيفتها وبما لديها من إمكانيات من شأنها المساس بهم في مختلف حقوقهم”[35]. في هذا السياق، قضت المحكمة الإدارية أن : “القضاء الإداري هو حامي الحرّيات العامّة والحريص في الوقت ذاته على سلامة الدّولة و استمرارية مرافقها العامّة”[36].

وتستند رقابة القاضي الإداري على الحقوق والحرّيات الأساسية إلى آليتين أساسيتين تختزلان في كلّ من مبدأ التناسب ومبدأ الضرورة. ذلك أنّ تكريس هذين المبدأين بالفصل 49 يوحي بالدّور الإنشائي الذي لعبه القاضي الإداري باعتبار أنه كانت له المبادرة في تكريس هذه المبادئ ليجعل منها آليات “حمائية” تسعى للتوفيق بين النظام العام وحماية الحقوق والحرّيات.وعليه، يتّجه الوقوف عند مفهوم هذين المبدأين مع استجلاء كيفية تعامل القاضي الإداري التّونسي معهما في إطار رقابته على أعمال الضبط الإداري.

يعرّف مبدأ التناسب بكونه علاقة متوازنة ومنسجمة بين أجزاء شيء معيّن[37]. وعادة ما يعرّف فقهاء القانون الإداري التناسب بالاعتماد على ثلاثة عناصر : يتمثّل العنصر الأوّل في ضرورة وجود وضعية واقعية معيّنة أمّا العنصر الثاني فيقتضي، والحالة ّتلك، وجود قرار إداري موضوع طعن في حين أنّ العنصر الثالث ُيختزل في الغاية التي دفعت الإدارة إلى اتخاذ هذا القرار الإداري الضبطي[38]. وبناء على ذلك، يستشفُّ أنّ مبدأ التناسب يعتبر قيدا مفاده أنّ مختلف التدابير والإجراءات  التي تأتيها السّلطة الإدارية في إطار أعمالها الضبطية للحدّ من الحقوق والحرّيات، لا بدّ أن تكون متلائمة  ومنسجمة مع خطورة الملابسات والظّروف التي دفعت بالإدارة إلى اتّخاذ القرار الضّبطي. وعلى هدى ما تقدّم، يفترض مبدأ التناسب توسّل الإدارة للإجراء الأنسب الذي يتوافق ويتكافأ مع أهمية الوقائع والملابسات التي بعثت على اتخاذ القرار.

لذلك، يلعب القاضي الإداري دورا فعّالا في هذا الصّدد في إطار بسط رقابته على التناسب أي على مدى احترام السّلط الإدارية للمقتضيات التي يفترضها مبدأ التناسب. منتهى الغاية أنّ القاضي الإداري يكون مدعوّا إلى إجراء “اختبار” على التدابير الضّبطية للتثبّت ما إن كان الإجراء الذي توخّته الإدارة ملائما لتحقيق الأهداف المرجوّة من وراء تدخّلها وهو ما يقتضي حيال ذلك أن يكون للوسيلة المستخدمة في التقييد ” أقل ضرر ممكن” للحقّ أو الحرّية المزمع التصدّي لممارستها.

و لعلّه بالرّجوع إلى فقه قضاء المحكمة الإدارية ما يكشف عن سعيها الدءوب إلى تأصيل التناسب كآلية أساسية يتوسّلها القاضي حيث ألغت المحكمة الإدارية من الأحكام ما انبنت على خرق واضح من طرف السّلط الإدارية لمبدأ التناسب. من ذلك ما ورد في قرار بلدية القصرين الذي اعتبرت فيه المحكمة الإدارية أنّ “حيث أن الأصل في ممارسة التجارة والصّناعة هو الحرّية وأنّ التضييق منها هو الاستثناء وأنّ الإدارة خاضعة في مجال الضبط المتعلّق بها إلى رقابة قضائية تمتدّ إلى حدّ التثبّت من مدى تناسب تدابير الضبط المتّخذة في إطارها مع الظروف التي حفّت باتّخاذها والأهداف التي ترمي إلى تحقيقها… حيث أنّ ما تذرّع به رئيس بلدية القصرين من تسبب محلّ المدّعية في تعطيل حركة المرور لوجوده وسط المدينة لا يمكن أن ينتهي به في ضوء ملابسات القضيّة إلى حدّ غلق المحلّ المذكور بل كان عليه توخّي التدابير التي تستلزمها ضرورة التّوفيق بين المحافظة على النّظام العام و ممارسة حرّية الصّناعة…”[39].

و لعلّ ما تمثّله الأعمال الضّبطية من خطورة ” بحكم اكتساءها صيغة استثنائية لاقترانها بممارسة الحرّيات العامّة”[40] ما دفع المحكمة الإدارية إلى الاعتراف للقاضي الإداري بسلطة الرّقابة على مدى تناسب التدابير الإدارية مع الملابسات والأهداف التي دفعت لاتّخاذها وهو ما آل، رأسا، إلى إحلال التقدير الذي يبسطه القاضي الإداري على الوقائع محلّ التقدير الذي تتوسّله  السّلطة الإدارية الأمر الذي يتّجه معه، حيال ذلك، تقييد سلطات الإدارة في مجال الضّبط الإداري[41]. و لا يخفى ما لمبدأ التناسب من ” رجع الصّدى” على النشاط الإداري ضرورة أنّه لا يلزم الإدارة بالانصياع لمقتضيات الأخذ بالتدابير الأقلّ وطأة على الحقوق والحرّيات فحسب، وإنّما يفترض كذلك احترامها لمبدأ التدرّج في اتّخاذ التدابير التي تمليها مقتضيات النّظام العام وتوسّل الإجراء الأقلّ صرامة وتهديدا للحرّيات العامّة فيحدد مبدأ التدرّج، تبعا لذلك، الوسيلة ومستوى التدخل الإداري لتحقيق التوازن بين مقتضيات النّظام العام وتحدّيات حماية جوهر الحقوق والحرّيات[42].

أمّا في خصوص مبدأ الضّرورة، فلا يقلّ أهمّية عن مبدأ التناسب وكنّا قد أشرنا صلب هذه الدّراسة إلى أنّ الفقه ينعى التفرقة بين هذين المبدأين مردّ ذلك أنّ الضّرورة لها من الأتساع ما يستوعب مبدأ التناسب وذلك على اعتبار أنّ القول بأن الإدارة إذا ما اتخذت إجراءا غير شرعي بمقولة أنّه غير متناسب يؤول بقوّة الأشياء إلى القول بأنّه ليس متناسبا لأنّه لم يكن ضروريا لما يقتضيه النظام العام[43].

و بوصفها ركنا أساسيا من أركان الشّرعية، سعى الفقه إلى الإحاطة بمفهوم الضّرورة وذلك بالاعتماد على مقاربتين :

حسب المقاربة الأولى، تعني الضّرورة أنّ مختلف التدابير الضّبطية التي تتذرّع بها السّلطة الإدارية، لا بدّ أن ينصبّ موضوعها على درء خطر حقيقي وملم تكون له تداعيات غير محمودة العواقب على النظام العام أي من شأنه أن يؤول إلى إذاعة الفوضى داخل المجتمع وزعزعة كيان المجموعة وهو ما يفضي، والحالة تلك، إلى استبعاد مجرّد الإزعاج أو الاضطراب البسيط الذي لا أهمّية له تذكر، من نطاق الضّرورة.

أمّا حسب المقاربة الثانية، فيفيد مبدأ الضّرورة أنّ ما تتوسّله السّلط الضبطية من تدابير وإجراءات استثنائية تحدّ من الحرّيات العامّة لا يمكن، بأيّ وجه من الوجوه، أن تتعدّى قدر ما هو ضروري ومستوجب للمحافظة على النّظام العام[44] بمعنى أنّ الإجراء المقيّد لا يجب أن يكون له تأثير مفرط على المصالح المحمية لصاحب الحقّ. وعلى ذلك، يتّضح أنّ الإدارة تكون محمولة على ضرورة ” انتقاء” الوسائل المناسبة التي يكون لها ” أخفّ الضّررين” على الحقوق و الحرّيات و العامّة.

بناء على ما تقدّم، يمكن أن نعرّف مبدأ الضّرورة بكونه قيدا ملقى على عاتق السّلط الإدارية الضّبطية لا تكون بمقتضاه ملزمة بوضع إجراءات استثنائية وقائية تحدّ من الحرّيات العامّة، إلاّ لضرورة تقتضيها المحافظة على النّظام العام على أن لا تتجاوز التدابير الوقائية التي تتوخّاها الإدارة مقدار ماهو ضروري ومستلزم لتحقيق الغايات المرجوّة من وراء اتّخاذ القرار الضّبطي.

و لا يخفى ما للمحكمة الإدارية من مساهمة فعّالة في توضيح معالم مبدأ الضّرورة، مردّ ذلك أنّ استراق النّظر إلى الأحكام الصّادرة في إطار الضّبط ما ينوّه بما لعبه القاضي الإداري من دور في جعله لمبدأ الضّرورة آلية فاعلة في بسط رقابته على التدابير الوقائية التي تتوخّاها الإدارة في نطاق الضّبط الإداري وذلك أن ألغى العديد من القرارات التي يستفاد منها، بالرّجوع إلى أوراق القضيّة وإلى الوقائع التي انبنت عليها، أنّه لم يكن هناك ما يدفع إلى اتّخاذها باعتبار أنّه لم يثبت وأنّ ممارسة الحقّ أو الحرّية يشكّل خطرا حقيقيا وملمّا على النّظام العام.

من ذلك ما قضت به المحكمة الإدارية في قرارها الصّادر في سنة 2009 حيث اعتبرت ” أنّ تدابير الضّبط الإداري بحكم اكتساءها صبغة استثنائية لاقترانها بممارسة الحرّيات العامّة تخضع إلى رقابة الملائمة التي تقوم على التثبّت من توفّر ركن الضّرورة بمناسبة اتّخاذها والتّصريح بعدم شرعيته متى تبيّن أنّها لم تكن ضرورية لمواجهة مخاطر الإخلال بالنّظام العام…”[45].

كما لم يتوانى القاضي الإداري في بعض القرارات الحديثة نسبيا في تطبيق أحكام الفصل 49 من دستور 2014 موضوع التعليق وذلك من خلال تأكيده المطّرد على مبدأ الضّرورة في خصوص حرّية الالتحاء. وقد قضت المحكمة الإدارية في هذا الصّدد أنّ ” وحيث أنّ الالتحاء يعدّ أحد مظاهر ممارسة الحرّية الشخصية المتاحة للأفراد ولا يمكن لذلك وضع قيود على تلك الحرّية إلاّ بموجب قانون شرط أن يكون الهدف منه تحقيق المصلحة العامّة و ألاّ يمسّ من جوهر ذلك الحقّ…”[46] ففي تأكيد المحكمة الإدارية على ” المصلحة العامّة” ما يوحي بمبدأ الضّرورة على اعتبار أنّ المصلحة العامّة هي التي تبرّر اتّخاذ القرارات الضّبطية.

إنّ تأصيل هذه الآليات الرّقابية في نطاق الضّبط الإداري ما يوحي بما شهده القانون الإداري من تطوّرات ساهمت، إلى حدّ كبير، في مراجعة مفاهيمه والفلسفة العامّة التي يرتكز عليها ولعلّ ذلك يعزى إلى طائفة من الاعتبارات التي لا يحجب ظاهر ما هي عليه من التنوّع و الاختلاف حقيقة ائتلافها في خيط ناظم مداره الدّور الرّيادي للقاضي الإداري الذي لم يتوان عن تجاوز الهوّة القائمة بين المواطن والمنظور الإداري. فالقاضي الإداري بتأصيله لآليات رقابية فاعلة في نطاق الأعمال الضّبطية ارتقى بالمنظور الإداري إلى مصاف ” المواطن الإداري” بالتوازي مع نظيره ” المواطن السياسي”. وترتيبا على ذلك، لم يعد القانون الإداري كما كنّا نخاله، لأوّل وهلة، قانونا استثنائيا وسلطويا (un droit exorbitant)، غاية ما في الأمر أنّه لم يعد منكمشا على أنقاض نظرياته التقليدية بل تدعّمت أسسه بالنزوع نحو نظرية دمقرطة الإدارة العمومية على اختلاف مجالاتها مشفوعة بانضمام القاضي الإداري إلى قائمة المناصرين لهذه النظرية فمدّد حقل إشعاعها إلى حيث لم يصل التّشريع.

على أنّ أهمّية الفصل 49 لا تتوقّف عند عتبة الآليات القضائية التي يتوسّلها القاضي الإداري فحسب، ذلك أنّ حماية القاضي الإداري لمبدأ الشّرعية ومن وراءه الحقوق والحرّيات العامّة تظلّ وثيقة الصّلة بحماية علوية الدّستور بوصفه المصدر الأساسي الذي تنبع منه الحقوق والحرّيات وهو ما يفسح المجال لتسليط الأضواء على آليات الرّقابة المتاحة للقاضي الدّستوري لحماية الحقوق والحرّيات التي يكفلها الدّستور.

الفقرة الثانية : الآليات الرّقابية للقاضي الدّستوري :

” لا وجود لمبدأ الشّرعية في ظلّ غياب هرميّة القواعد القانونية، فالشّرعية هي ضرورة حتمية تفترضها مقتضيات دولة القانون…”[47]. استنادا لهذه المقولة، يتّضح أنّ أهمّية احترام علوية الدّستور، التي تضمنها رقابة دستورية القوانين، لا تُختزل البتّة في ضمان انسجام واتّساق المنظومة القانونية ناهيك أنّ الفقه ما انفكّ يعقد صلة وثيقة بين رقابة دستورية القوانين وحماية الحقوق والحرّيات بوصفها لبّ دولة القانون وجوهرها. وعلى ذلك، لا مراء أنّ التسلسل الهرمي للقواعد القانونية لم يعد منحصرا في مجرّد تنظيم داخلي للنظام القانوني لدولة معيّنة يضمن التطابق والتلاؤم بين قواعد القانون، بل استحال إلى وسيلة فعّالة من شأنها حماية الحقوق الأساسية للأفراد[48].

وترتيبا على ذلك، لا مراء أنّ وجود عدالة دستورية تعنى بضمان علوية الدّستور ومن وراءها ضمان علوية الحقوق والحرّيات يعتبر ضرورة تحتّمها مقتضيات مجتمع ديمقراطي قوامه دولة القانون. غاية ما في الأمر أنّ تعهّد القاضي الدّستوري برقابة دستورية القوانين لحماية علوية الدّستور يفضي، رأسا، إلى الرّقابة على الحقوق والحرّيات وذلك لما للدّستور من وشائج مع الحقوق الأساسية لدرجة يستحيل معها أن نتصوّر دولة تضمن حقوق الأفراد والحال أنّها لا تملك دستورا. في هذا الصدد، نصّ إعلان حقوق الإنسان والمواطن في المادّة 16 على أنّ” كل مجتمع لا تكون فيه حقوق الأفراد مضمونة ضمانة فعلية بواسطة السلطة العمومية ولا تكون فيه السلطة التشريعية (أي البرلمان) والسلطة التنفيذية (أي الحكومة) منفصلتين الواحدة عن الأخرى انفصالا ًتام ًلا يملك دستورا”.

و على هذا الأساس، بالرّجوع إلى الفصل 49 من دستور 27 جانفي 2014، يتّضح وأنّه سيكون للقضاء الدّستوري دور هامّ في حماية الحقوق والحرّيات الأساسية التي يضمنها الدّستور ضرورة أنّ إقرار جملة من الحقوق صلب أعلى قاعدة قانونية لا يكفي وحده لضمان “حرمتها” بل أنّ هذا التكريس لا بدّ أن يكون مشفوعا بـــ ” حارس” يتصدّى لما عسى أن يطال هذه الحقوق المضمونة دستوريا من انتهاكات مناطها إصدار قوانين غير دستورية باعتبار أنّه “في غياب عدالة دستورية، لا يعدو الدّستور أن يكون مجرّد برنامج سياسي، في أقصى الحالات ملزم على المستوى الأخلاقي، أو مجرّد مجموعة من النصائح التي يتلقّاها المشرّع والتي يكون حرّا في الأخذ أو عدم الأخذ بها…” على حدّ تعبير الفقيه Charles EISENMANN[49].

و أيّا كان الشّأن، و سعيا لضمان حماية واسعة للحقوق والحرّيات المضمونة دستوريا ومن وراءها فرض علوية الدّستور، فإنّ المطّلع على الفصل 49 يمكن أن يستخلص أنّ السّلطة التأسيسية الأصلية تعرّضت إلى ضربين من الرّقابة المناطة بعهدة القاضي الدّستوري على غرار الرّقابة الإجرائية (1) هذا إلى جانب الرّقابة المادّية (2).

1-الرّقابة الإجرائية :

بالرّجوع إلى أحكام الفصل 49 من دستور 27 جانفي 2014، يستخلص أنّه “لا يجوز لأيّ تعديل أن ينال من مكتسبات حقوق الإنسان وحرّياته المضمونة في هذا الدّستور”.

بناء على ما تقدّم، نستشفّ أنّ المشرّع الدّستوري قد ارتأى إضفاء ضرب من الحماية الخصوصية على الحقوق والحرّيات التي ينطوي عليها الدّستور وذلك لاعتبار أساسي مفاده أنّ الحياة السياسية تتّسم بحركية وديناميكية تحتّم، والحالة تلك، ضرورة إدخال جملة من التعديلات على الدّستور حتّى يكون متطابقا مع طموحات وتطلّعات الشعوب. لذلك، وأخذا بعين الاعتبار خضوع الدّستور لسنّة التطوّر وضرورة التأقلم مع التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية[50]، تحسّب المشرّع الدستوري لهذه المسألة بأن أحاط تعديل الدّستور بجملة من الضّوابط التي يتعيّن على السّلطة التأسيسية الفرعية احترامها عند تعديلها للدّستور. وتتمثّل هذه الضّوابط في عدم جواز نيل أيّ تعديل من مكتسبات حقوق الإنسان التي جاء بها الدّستور التّونسي وهنا يستدعي هذا الضّابط الملقى على عاتق السّلطة التأسيسية الفرعية إبداء جملة من الملاحظات :

تتمثّل الملاحظة الأولى في أنّ المشرّع الدّستوري استقى من طفرة الحلول المقارنة ووفرتها فلو وقع الرّجوع إلى بعض التشريعات المقارنة الضّاربة جذورها في التجربة الدّيمقراطية، لَلُوحظ لأوّل وهلة أنّ ما ارتآه واضعو الدّستور في عدم جواز نيل أيّ تعديل من مكتسبات حقوق الإنسان، نجد له صدى في القانون الألماني فيما يعرف بــ ” مبدأ عدم الرّجوع” (le principe de non régression) الذي ينسحب على الحقوق الأساسية الخالدة أو المبادئ الخالدة (la clause d’éternité)

أمّا في خصوص مبدأ عدم الرّجوع، فيعرّف بكونه ضابطا محمولا على عاتق السّلط السياسية مناطه المحافظة على مكتسبات حقوق الإنسان التي بلورتها الأجيال السّابقة لصالح الأجيال الحالية والتي تساهم بدورها في تعزيز المنظومة الحقوقية لصالح الأجيال اللاّحقة. وبالتالي، فإنّ مبدأ عدم الرّجوع يعتبر حجّة تقوم حيال السّلط السياسية بأن تمتنع عن تعديل منظومة مكتسبات حقوق الإنسان بشكل يتّجه معه التقليص منها أو الحدّ من ممارستها[51].

ويثير هذا التعريف ملاحظة مفادها أّنّه إذا كان من المتّفق عليه تطبيقا لمبدأ عدم الرّجوع، أن تكون السّلط العمومية محمولة على عدم المساس بمكتسبات حقوق الإنسان عند تعديلها للدّستور، فإنه بقراءة عكسية يتسنّى القول أنّه لا تثريب على المشرّع الدّستوري أن يقوم ببعض التعديلات للمنظومة الحقوقية بما من شأنه أن يعزّز رفاه الإنسان ومكانته داخل المجتمع والحفاظ على كرامته ببلورة رصيد الحقوق والحرّيات و إثراءه بحقوق أخرى.

 و جدير بالذّكر أنّ مبدأ عدم الرّجوع يجد أساسه في ما يعرف بـــ ” المبادئ الخالدة (les clauses d’éternité) و المقصود بها مجموعة من الحقوق والمبادئ الأساسية التي تحكم دولة معيّنة بحيث تكون هذه المبادئ محصّنة من التعديل ضرورة أنّها تعتبر غير قابلة للرّجوع فيها (irréversibles) من ذلك ما ورد بالدّستور الألماني من عدم جواز المساس بالتنظيم الفيدرالي للدولة، طبيعة النظام السياسي وبمقتضيات النظام الدّيمقراطي.

حاصل القول أنّه سواء تعلّق الأمر بمبدأ عدم الرّجوع أو بالمبادئ الخالدة فإنّه سيكون للقاضي الدّستوري في تونس القول الفصل في بسط رقابته الإجرائية عليها حيث أنّه، بالتوازي مع تنصيص واضعي الدّستور على استحالة النّيل من مكتسبات حقوق الإنسان بالتعديلات الدّستورية التي يمكن اللجوء إليها في وقت لاحق، فإنّه وقع إسناد مهمّة الرّقابة على ما يجوز تعديله إلى المحكمة الدّستورية تطبيقا لأحكام الفصل 144 الذي ينصّ على أنّ ” كلّ مبادرة لتعديل الدّستور تُعرض من قبل رئيس مجلس نوّاب الشعب على المحكمة الدّستورية لإبداء الرأي في كونها لا تتعلّق بما لا يجوز تعديله حسبما هو مقرّر بهذا الدّستور”. و بمقتضى هذه الرّقابة الإجرائية، يتسنّى للقاضي الدّستوري إجراء رقابة فاعلة تكون بمثابة مصفاة تمنع تفاقم القوانين التي من شأنها النكوص و العودة إلى الوراء في ما يخصّ مكتسبات الحقوق والحرّيات الأساسية التي وقع تكريسها بمقتضى الدّستور.

والواقع أنّه بالرّجوع إلى فقه قضاء المجلس الدّستوري الفرنسي وبانتقاء المستصفى من أحكامه، يستروح أنّه كان له نصيب وافر في تأصيل رقابة دستورية مدارها التصدّي لمختلف القوانين التي تنمّ عن نيّة المشرّع في التقهقر والتراجع إلى الوراء فيما يتعلّق بما استوى من مكتسبات حقوق الإنسان في المنظومة القانونية والدّستورية حيث تستند هذه الرّقابة إلى نظرية كان للمجلس الدّستوري الفرنسي الفضل في بلورتها و توضيح معالمها وتعرف بنظرية أثر السقّاطة أو الوقّافة(la théorie de l’effet cliquet).

و لا يخفى ما لهذه النّظرية من امتدادات أفقية وعمودية واسعة النطاق، ويردّ ذلك إلى كونها تمتدّ على مساحة واسعة، باعتبار أنّ جذورها مستمدّة من علم الاقتصاد، ثمّ ما لبثت أن اكتسحت مجال القانون لتنفذ إليه من مدخل الحقوق والحرّيات العامّة أين وجدت متّسعا لتترعرع و يشتدّ عودها ويعزى ذلك خاصّة إلى ما بذله فقه القضاء الدّستوري في فرنسا من تمديد لحقل إشعاعها. فأثر الوقّافة أو السقّاطة هي نظرية بلورها فقه قضاء المجلس الدّستوري الفرنسي وذلك بغية إضفاء حماية خصوصية على بعض الحقوق والحرّيات حيث يُعتبر بمقتضاها غير دستورية، القوانين التي تهدف إلى الرجوع إلى  الوراء بمنظومة الحقوق والحرّيات العامّة بإنشاء نظام قانوني يحدّها بحيث يكون هذا النظام أكثر صرامة ومساسا بالضّمانات التي تنطوي عليها. وعليه، فحوى هذه النظرية أنّها تمنع، في نهاية المطاف، التقهقر أو التراجع لتلافي حصول نكوص معيب في مسيرة المنظومة الحقوقية. ويترتّب على هذه النظرية أثران على الأقل أوّلهما إلزام المشرّع بالإحجام عن إضعاف مكتسبات حقوق الإنسان التي يضمنها الدّستور ذلك أنّه لا يتسنّى له تعديل ضمانات تنصرف لحرّية معيّنة إلاّ في صورة ما إذا جاء بضمانات مماثلة لها[52]. أمّا الأثر الثاني، فمفاده أنّ القانون لا يمكن أن يتدخّل لتنظيم ممارسة حرّية معيّنة، إلاّ إذا كان هذا التنظيم يرمي إلى تطويرها وبلورة ضماناتها وجعلها أكثر فاعلية[53].

وهذا الانتعاش الذي شهدته هذه النظرية في فقه قضاء المجلس الدّستوري الفرنسي له إرهاصات وتطبيقات عديدة تشهد عليها طفرة القرارات الصّادرة في هذا المجال. من ذلك ما أورده المجلس الدّستوري في قراره الصّادر في 11 أكتوبر 1984 والمتعلّق بمنشآت الصّحافة حيث قضى أنّ سلطة المشرّع في تعديل القوانين المتعلّقة بالحرّيات الأساسية وإلغاءها لا تعني السّلطة المطلقة المعفاة من كلّ رقابة بل تحدّها جملة من الشّروط التي من أهمّها أنّ التشريع الذي يلغي نظام قانوني يتّصل بحرّية أساسية معيّنة لا بدّ أن يأتي بنظام قانوني جديد أكثر فاعلية و أكثر ضمانات لها[54].

حاصل القول أنّ تطبيقات هذه النّظرية تنمّ عن تجذّر رقابة الدّستورية و أهمّيتها في حماية الحقوق و الحرّيات فالقاضي الدّستوري استحال، ضمن ما تقدّم ” مؤسسّة بواسطتها تُفرض الإرادة العامّة على مؤسّسات الدّولة وتمنعها من المساس بالحقوق والحرّيات”[55]. وتأسيسا على ذلك، تتّجه الإشارة إلى أنّ تعزيز رقابة الدستورية في تونس بعلاقتها بحماية الحقوق     والحرّيات يحتّم الاستنارة بهذه الآليات المتجذّرة في القانون المقارن والاسترفاد منها وذلك لما لها من أهمّية في ” كبح جماح” السّلط العمومية خاصّة أنّ فاعلية الفصل 49 برمّته تبقى رهينة حماية علوية الدّستور من طرف المحكمة الدّستورية وتفعيل ما جاء به من مكتسبات لحقوق الإنسان والحرّيات العامّة ذلك أنّ المحكمة الدّستورية لا ينحصر دورها في هذه الرّقابة الإجرائية المتعلّقة بما لا يجوز تعديله فحسب بل يمتدّ إلى رقابة مادّية لا تخلو أهمّية عن نظيرتها.

2– الرّقابة المادّية :

تكتسي الرّقابة المادّية التي يجريها القضاء الدّستوري على علوية الدّستور ومن وراءها ضمان حماية الحقوق والحرّيات منزلة بالغة ولذلك لسببين على الأقل : أمّا السبب الأوّل فمردّه أنّ هذه الرّقابة تتّسم بازدواجيتها على اعتبار أنّ المطّلع على الدستور وقانون المحكمة الدّستورية[56] يكتشف أنّ التشريع التونسي يميّز بين ضربين من الرّقابة على غرار الرّقابة المسبقة (Le contrôle à priori) و الرّقابة اللاّحقة   ( le contrôle à postériori) أو ما اصطلح عليه القانون الدّستوري التونسي بــ “الدّفع بعدم الدّستورية”. ولا يخفى ما لهذه الازدواجية من اتّساع لحقل رقابة دستورية القوانين في تونس، بما من شأنه أن يضمن حماية خصوصية للحقوق والحرّيات التي ينطوي عليها الدّستور. أمّا السبب الثاني، فيستند إلى اعتبار أساسي مداره تكامل ضربي الرّقابة الدّستورية المسبقة واللاّحقة وذلك لما للدّفع بعدم الدّستورية بوصفه رقابة لاحقة تجريها المحكمة الدّستورية من أهمّية في استدراك ما غضّ النظر عنه ومراجعة ما وقع التسليم به من قوانين استطاعت أن تنفذ إلى أقطار النظام القانوني التّونسي والحال أنّها لم تتحرّر كلّيا من ” شوائب” الأحكام غير الدّستورية. لذلك يتّجه الوقوف على الرّقابة القبلية في تونس واستجلاء مساهمتها في حماية الحقوق والحرّيات المضمونة دستوريا مع بيان حدودها مستأنسين في ذلك بالمكانة التي يتبوّأها الدّفع بعدم الدّستورية في تدارك ثغرات الرّقابة المسبقة.

  • الرّقابة المسبقة:

لن يطول المقام في الرّقابة المسبقة ليس بالنّظر فقط إلى كونها لا تتّصل مباشرة بحماية الحقوق والحرّيات المضمونة دستوريا، بل بالنّظر كذلك إلى كونها تطرح العديد من الإشكاليات العملية التي جاء بها قانون المحكمة الدّستورية والتي لا يتّسع المجال لشرحها باعتبارها تتعدّى نطاق هذه الدّراسة. وعموما تعرّف الرّقابة الدّستورية المسبقة بكونها رقابة ذات طابع وقائي تهدف إلى عقلنة نشاط البرلمان من جهة أنّها تهدف إلى منع صدور قانون غير دستوري ودخوله حيّز النّفاذ إلى النظام القانوني وذلك بإخضاع مشاريع القوانين إلى رقابة مسبقة تتعهّد بها جهة قضائية أو سياسية وذلك حسب النّظام المعمول به[57]. وبالرّجوع إلى أحكام الفصل 45 من قانون المحكمة الدّستورية يستروح انّه ” لرئيس الجمهورية أو لرئيس الحكومة أو لثلاثين نائبا على الأقل بمجلس نوّاب الشّعب، رفع طعن بعدم دستورية مشاريع القوانين في اجل أقصاه سبعة أيّام من تاريخ مصادقة مجلس نوّاب الشّعب على مشروع القانون في صيغة أولى أو من تاريخ مصادقته عليه في صيغة معدّلة بعد ردّه”.

بناء على ما تقدّم، يتّضح أنّ الرّقابة المسبقة تكتسي أهمّية بالغة مردّ ذلك أنّها تنزّل منزلة المصفاة التي تمنع تسرّب القوانين المشوبة بعيب الدّستورية إلى المنظومة القانونية. ولسنا هنا بحائدين عن مدار اهتمامنا الذي ينصرف إلى دور الآليات المتاحة للقاضي الدّستوري في حماية الحقوق والحرّيات التي يتضمّنها الدّستور، ضرورة أنّ الرّقابة القبلية من شأنها أن تنوء عن المكتسبات الحقوقية المنضوية تحت لواء الدّستور من كلّ انتهاك وذلك بأنّ المشرّع أتاح للسلط السياسية المشار إليها صلب الفصل 45 برفع طعون بعدم دستورية مشاريع القوانين من ذلك المشاريع التي تشكّل خرقا صارخا للحقوق و الحرّيات العامّة المضمّنة بالدّستور.

إلاّ أنّ التمعّن في عبارات هذا الفصل سرعان ما يرفع النقاب عن ثغرات الرّقابة المسبقة خاصّة وأنّ رفع الطّعون في خصوص مشاريع القوانين غير الدّستورية يظلّ مجرّد خيار كما تنوّه بذلك عبارة ” لـ”الأمر الذي يجعل السّلط السياسية المختصّة برفع الطّعون في حلّ من كلّ التزام فهي تتمتّع بسلطة تقديرية في رفع الطّعون المتعلّقة بعدم دستورية مشاريع القوانين من عدمها. وبالتالي، كان من الأجدى اعتماد عبارة ” على” التي تعني الوجوب والإلزام لا سيّما أنّ مرونة الرّقابة المسبقة تجعل نفاذ القوانين الغير دستورية أكثر من مجرّد احتمال. لذلك لا خلاف في المكانة التي يكتسيها الدّفع بعدم الدّستورية لكونه يُعتبر رقابة دستورية تتدارك ما عسى أن يكون قد تسرّب من قوانين غير دستورية تمسّ من الحقوق والحرّيات الدّستورية.

  • الدّفع بعدم الدّستورية :

إنّ الدّفع بعدم الدّستورية هي الرّقابة التي تخوّل للخصوم في قضيّة ما الدّفع بعدم دستورية القانون المنطبق على النّزاع حيث تتم ممارسة هذا النوع من الرقابة بعد استكمال القانون لكافة إجراءات صياغته وإصداره بشكل نهائي. من هنا يتّضح أنّ مسألة الدّستورية تثار بصفة استثنائية وعرضية[58] بأن يقوم أحد الأطراف في النّزاع بالدّفع بعدم دستورية القانون المنطبق في القضيّة بحيث توقف المحكمة المتعهّدة النّظر في النّزاع وتحيل القضيّة على المحكمة الدّستورية.

وبالرّجوع إلى أحكام الفصل 54 من قانون المحكمة الدّستورية، يستروح أنّه ” للخصوم في القضايا المنشورة في الأصل أمام المحاكم أن يدفعوا بعدم دستورية القانون المنطبق على النّزاع” و يضيف الفصل 56 من نفس القانون أنّه ” على المحاكم عند الدّفع أمامها بعدم دستورية القوانين إحالة المسالة فورا على المحكمة الدستورية ولا يجوز الطّعن في قرار الإحالة بأيّ وجه من أوجه الطّعن ولو بالتعقيب”.

إنّ القراءة  المتكاملة لهذين الفصلين تحتّم إبداء ملاحظتين على الأقلّ:

تتمثّل الملاحظة الأولى في أنّ الفصل 54 من قانون المحكمة الدّستورية يجد نظيره في الفصل 23 من القانون الأساسي عدد 1523 لسنة 2009 المؤرّخ في 10 ديسمبر 2009 والمتعلّق بالمسالة  الاوّلية الدّستورية في فرنسا (la Question prioritaire de constitutionnalité). ذلك أنّه إلى حدود سنة 2008 ظلّت الرّقابة الدّستورية في فرنسا رقابة مسبقة فحسب، لذلك اتّجهت الأنظار نحو ضرورة تعزيزها برقابة لاحقة من شأنها أن تتدارك النقائص التي تنطوي عليها الرّقابة المسبقة حيث وُصف تعديل سنة 2008 الذي أقحم آلية الدّفع بعدم الدّستورية بكونه ثورة في القانون الدّستوري الفرنسي تعكس ” انفجارا دستوريا”[59] ينبأ بـ “مغامرة مؤسساتية”[60]. و لا يفوتنا أن نشير أنّ إقحام الدّفع بعدم الدّستورية المصطلح عليه في فرنسا بالمسألة الأوّلية الدّستورية يندرج في إطار تعزيز منظومة الحقوق والحرّيات العامّة لاعتبار أساسي مفاده أنّه لا يمكن الدّفع بعدم الدّستورية إلاّ في القوانين التي تنطوي على أحكام تمثّل خرقا صارخا لحقّ أو حرّية أساسية. وهنا مكمن الاختلاف بين القانون التونسي والقانون الفرنسي فخلافا لأحكام الفصل 23 من قانون 10 ديسمبر 2009 الذي حصر الدّفع بعدم الدّستورية في صورة وحيدة تتعلّق بانتهاك الحقوق والحرّيات، يتبيّن أنّ الفصل 54 من قانون المحكمة الدّستورية فتح الباب على مصراعيه للدّفع بعدم الدّستورية من طرف الخصوم في القضيّة بقطع النّظر عن موضوع الطّعن أي سواء تعلّق الأمر بعيب دستورية يمسّ حقّ أو حرّية أو أيّ مسألة أخرى مهما كان موضوعها فإنّه يمكن الطّعن بعدم دستورية القانون المنطبق في النّزاع.

و هنا يثور التساؤل حول مدى وجاهة هذا الخيار الذي ارتآه المشرّع في فتح الباب على مصراعيه في خصوص توسيع موضوع الدّفع بعدم الدّستورية ضرورة أنّ إطلاق العنان للخصوم للدّفع بعدم دستورية القانون المنسحب على القضيّة من شأنه أن يثقل كاهل المحكمة الدّستورية ويغرقها بترسانة من الطّعون غير الجدّية كما من شأنه أن يفقد الدّفع بعدم الدّستورية “رمزيته” لاعتبار أساسي مفاده أنّ الباعث على تكريسه هو أساسا حماية الحقوق والحرّيات لينحرف الدّفع بعدم الدّستورية من آلية لحماية مكتسبات حقوق الإنسان إلى آلية للتحايل على الإجراءات.

أمّا الملاحظة الثانية التي تسترعي الانتباه، فما يزيد المسألة تعقيدا أنّ المشرّع لم يعتمد آلية المصفاة Le système de filtrage)) حيث أنّ الفصل 56 اقتضى أن تحيل المحاكم فورا المسألة على المحكمة الدّستورية عند الدّفع أمامها بعدم الدّستورية دون أن تنظر في وجاهة الطّعن والتثبّت إن كان طعنا جدّيا لم يسبق فيه البتّ من طرف المحكمة الدّستورية. لذلك، لا مراء أنّ هذا التوجّه الذي توخّاه المشرّع من شأنه أن يطرح إشكاليات عملية لا مناص منها قد تحتّم تنقيح قانون المحكمة الدّستورية من المطاعن الأولى التي ستتعهّد بها.

و في كلّ الحالات، و بقطع النّظر عن هذه الإشكاليات التي لا ينفيها التطبيق ولا يقصيها، فإنّ ذلك لا يشكّك في ما لأهمّية هذه المؤسّسات من دور فعّال في تعزيز المنظومة الدّستورية لحقوق الإنسان التي يعتبر الفصل 49 قوامها و عمودها الفقري.

في نهاية المطاف، على الرّغم من أنّ الفصل 49 يشكّل قطب الرّحى للمنظومة الدّستورية لحقوق الإنسان باعتباره يفتح على آفاق جديدة تنبأ بعلاقة لا عهد لنا بها تجمع الدّولة بمواطنيها، لا يجب أن يغيب عن الأذهان أنّ فاعلية هذا الفصل تظلّ موصولة بوجود إرادة سياسية حقيقية  في غيابها، لا تعدو أن تكون الحقوق والحرّيات التي يكرّسها الدّستور مجموعة من الألفاظ المليحة الرّائقة لها من سحر القول ورونق التعبير ما تُستمال به القلوب ولا تُدرك به الغايات، “فلا انتفاع بإيراد الألفاظ المليحة الرّائقة ولا المعاني اللّطيفة الدّقيقة دون أن تكون مستجلبة لبلوغ غرض المخاطب بها”[61] باعتبار أنّه ” لا خير في كلام لا يدلّ على معناك و لا يشير إلى مغزاك”[62]. غاية ما في الأمر، أنّ فاعلية الحقوق والحرّيات الدّستورية ستكون رهينة التطبيق، ضرورة أن النصوص القانونية لا  تكفي لوحدها لفهم حقيقة المؤسسات، فالممارسة الفعلية هي الكفيلة بإماطة اللثام عن آفاق حقوق وحرّيات الإنسان في تونس، مردّ ذلك أنّ المؤسسات لا تكون دائما كما تشاء النصوص القانونية المحدثة لها وإنّما تكون كما تشاء الأطراف الفاعلة فيها أن تكون، فالنص القانوني يولد مرّتين : مرّة عند وضعه وأخرى عند تطبيقه.

[1]Michel DRAN, Le contrôle juridictionnel et la garantie des libertés publiques, Paris, Librairie Générale de Droit et de Jurisprudence, 2éme édition, 1968. p.605. Cité par : Maroua MHENNI, Le Tribunal administratif et les libertés publiques », Mémoire en vue de l’obtention du Master de recherche en droit public, Faculté des sciences juridiques politiques et sociales de Tunis, 2014-2015, p. 1.

[2] Sachs Albie, « Protecting huaman rights in a new South Africa, Oxford Univesity Press », Capetown, 1990, cité in Tomasevki Katarina, “Les droits économiques, sociaux et culturels et le rôle des juristes”, Revue de la commission internationale des juristes, Genève, Décembre 1995, n°55, conférence 23, p.251.

[3]عياض بن عاشور، دولة القانون، نشأتها، سوابقها، مصيرها”، المجلة القانونية التونسية، مركز البحوث والنشر،1993،ص. 3.

[4]Affaire Parti communiste unifié de Turquie c/ Turquie, 30 janvier 1998, SUDRE (F), Les grands arrêts de la Cour européenne des droits de l’homme, 4ème édition, Thémis, droit, Presses universitaires françaises, 2007. pp.626-637.

[5] شفيق سعيّد، الدستور و المواطن، الدستور التونسي في الذكرى الأربعين لإصداره 1959-1999، مركز الدراسات والبحوث الاقتصادية و الاجتماعية. ص.76.

[6] أحمد صواب، القاضي و الدفاع عن الحقوق والحرّيات في دستور 2014، مجلّة الأخبار القانونية عدد 204/205 جويلية-سبتمبر 2015.

[7]Charles EISENMANN, La justice constitutionnelle et la haute cour constitutionnelle d’Autriche, Paris/ Aix-en-Provence, Economica, Presses universitaires d’Aix-Marseille, 1986, p. 22.

[8]يمكن تعريف ضوابط الحقوق و الحرّيات بكونها جملة من القيود والالتزامات الواجب احترامها من قبل الأفراد عند ممارستهم للحقوق و الحرّيات وهذه القيود أو الالتزامات يمكن اختزالها في مجموعة من القواعد والضوابط القانونية التي تنصّ عليها بعض الاتفاقيات الدّولية و الإقليمية و كذلك التشاريع الوطنية.

[9] محمّد رضا بن حمّاد، “المبادئ الأساسية للقانون الدستوري و الأنظمة السياسية”، طبعة ثانية محيّنة،  2010. ص 203.

[10]نفس المرجع. ص66.

[11]Jean RIVERO et Jean WALINE, Précis de droit administratif, Paris, Dalloz, 1992, p. 50. «La loi est l’acte élaboré par le parlement détenteur du pouvoir législatif… ».

[12]معتز القرقوري، الضوابط الدستورية للحقوق و الحرّيات، أعمال ملتقى نظّمته كلّية الحقوق بصفاقس أيّام  6 -7 8- مارس 2014 (غير منشور).

[13]الفصل 80 من دستور 27 جانفي 2014. هذا الفصل يحيلنا إلى شبيه له بدستور 1 جوان 1959 و المتمثّل في الفصل 46.

[14] Emira CHAOUCH, « Le domaine de la loi et du règlement à la lumière de la révision constitutionnelle du 27 octobre 1997 ». Op. cit. p.84.

[15]L’application des mesures exceptionnelles « déborde largement le problème de la distinction de la loi du règlement, elle aboutit en effet à mettre à la disposition du président de la république la totalité des pouvoirs qui s’exercent dans l’État ou plus précisément de ceux qu’il juge nécessaires pour faire face à la crise ». Jean RIVERO, et Jean WALINE « Précis de droit administratif ». Op. Cit. P. 59.

[16]يوخن فون بيرنستورف، “دور الفصل 49 في الدّستور الجديد”. (مقال غير منشور).

[17] Intervention du professeur Xavier PHILIPE dans le colloque tenu à Gammarth les 27 et 28 novembre 2014, avec la participation d’experts nationaux et internationaux. « Vers une nouvelle ère dans la protection des droits fondamentaux en Tunisie : la mise en œuvre de l’article 49 de la nouvelle Constitution tunisienne ». Rapport disponible sur le site suivant : http://democracy-reporting.org/files/rapport_article_49_1.pdf.

[18] Xavier PHILIPE. Rapport précité. P. 23-24.

[19]يوخن فون بيرنستورف، “دور الفصل 49 في الدّستور الجديد”. (المقال المذكور).

[20]معتز القرقوري “الفصل 49 من الدّستور الجديد هبة للقضاء”. مقال منشور بجريدة المغرب في العدد الصّادر بتاريخ 12 جويلية 2014.

[21]العبارة للأستاذ وحيد الفرشيشي التي استعملها في مقاله سالف الذّكر.

[22]محمّد علي حشّانة، “القضاء الإداري و الدّستور”. مذكّرة لنيل شهادة ماجستير بحث في القانون العام، كلّية الحقوق بصفاقس. ص. 62-63. 2013-2014.

[23] ساهم فقه القضاء الإداري الفرنسي بشكل ملحوظ في بلورة النظام العام الأخلاقي ذلك أنّه في قضية مبدئية “commune de Morsang sur orge ” اعتبر مجلس الدّولة الفرنسي أنّ القرار القاضي بمنع تنظيم فرجة رمي الأقزام قرارا شرعيا لا سيّما وأنّ هذه الأعمال تمثّل انتهاكا للكرامة الإنسانية وتعدّيا على سلامتها الأمر الذي يحيل على أن النظام العام هو مفهوم قابل للتمطيط إذ تشهد هذه القضية على توسّع القاضي الإداري في التعامل مع النظام العام الذي استطاع أن يستوعب الأبعاد الإنسانية.

Conseil d’État, 27 octobre 1995, « commune de Morsang sur orge ». Recueil. , p. 372.

[24]وحيد الفرشيشي “دسترة الحرّيات الفردية : قراءة حقوقية للدستور التونسي الصّادر في 27 جانفي 2014”. المرجع المذكور. ص 68.

[25]معتز القرقوري “الفصل 49 من الدّستور الجديد هبة للقضاء”. المقال المذكور.

[26]Le principe de proportionnalité est un « principe d’adéquation de la réaction à l’action ».Lexique des termes juridiques, 22e édition, DALLOZ.  2014-2015. P. 778.

[27] George BURDEAU, « Les libertés publiques », Librairie générale de droit et de jurisprudence, 2ème édition, 1961, p. 39.

[28] Yadh BEN ACHOUR, « Droit Administratif », Centre de publication universitaire, 3ème édition 2010, p .303. N° 384.

[29]Yadh BEN ACHOUR, « Droit Administratif », op. cit. 303- 304.

[30]Pauline GERVIER, « La limitation des droits fondamentaux constitutionnels par l’ordre public », Prix de Thèse du Conseil constitutionnel 2014, Prix de thèse de l’école doctorale de droit de l’université de Bordeaux, Bibliothèque constitutionnelle et de sciences politiques Tome 143, Librairie générale de droit et de jurisprudence, Lextenso éditions, p. 179. N°588. « Le maire est chargé par l’art. 97 de la loi du 5 avril 1884 du maintien de l’ordre dans la commune, il doit concilier l’accomplissement de sa mission avec le respect des libertés garanties par les lois… il résulte des travaux préparatoires de la loi du 9 décembre 1905 et de ceux de la loi du 28 décembre 1904 sur les pompes funèbres que l’intention manifeste du législateur a été, spécialement en ce qui concerne les funérailles, de respecter autant que possible les habitudes et les traditions locales et de n’y porter atteinte que dans la mesure strictement nécessaire au maintien de l’ordre…alors qu’il résulte de l’instruction que dans la commune aucun motif tiré de la nécessité de maintenir l’ordre sur la voie publique ne pouvait être invoqué par le maire pour lui permettre de réglementer, dans les conditions fixées par son arrêté, les convois funèbres et notamment d’interdire aux membres du clergé, revêtus de leurs habits sacerdotaux… »

[31]Jean Etienne- Marie Portalis, Cité Par Khalil FENDRI, « L’indépendance de la justice à travers la nouvelle constitution », in Nouvelle constitution tunisienne et transition démocratique, actes du colloque franco-tunisien organisé par la faculté de droit de Sfax et la faculté de droit Paris-Est, Paris les 31 mars et 1er Avril 2014, Lexis Nexis 2015. P. 113.

[32]تثير عبارة الهيئات القضائية إشكالا يتعلّق بمعرفة المقصود بالهيئات القضائية، ذلك أنّه لا يخفي ظاهر ماهي عليه من الوضوح غموضها والتباس معالمها، فهل أنّ المشرّع الدّستوري يستهدف بتنزيله هذه العبارة صلب الفصل 49 الهيئات القضائية الوطنية فحسب أم أنّ عمومية هذه العبارة قد تستوعب، كذلك، الهيئات القضائية الدولية ونقصد،في هذا السياق، المحكمة الجنائية الدّولية بوصفها جهاز قضائي يضطلع بمحاكمة بعض الجرائم التي تشكّل انتهاكا صارخا لبعض حقوق الإنسان؟ إن ّتسليط الأضواء على القضاء الدولي واستهدافنا لامتداد الرقابة القضائية، في هذا الصدد، يستند إلى اعتبار أساسي مفاده أن ّالجمهورية التونسية وافقت على الانضمام لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وإلى اتفاق امتيازات المحكمة وحصاناتها وعلى ذلك، فإنّه يمكن أن نذهب إلى القول أنّه ،مبدئيا، لاشيء يمنع أن تكون المحكمة الجنائية الدولية مختصّة بالنظر في الانتهاكات التي تطال حقوق الإنسان على التراب التونسي باعتبار أن ّالفصل 12 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدّولية المؤرّخ في 1 جويلية 2002، ينصّ على أنّ الدّولة التي تصبح طرفا في هذا النظام تكون قد قبلت باختصاص المحكمة الجنائية الدّولية في الجرائم التي تعرّضت إليها المادّة 5 من نظام روما والتي يمكن اختزالها في 4 جرائم على غرار جريمة الإبادة الجماعية، الجرائم ضدّ الإنسانية، جرائم الحرب وجريمة العدوان. وفي كل ّالحالات، لا يجب أن يخفى عن الأذهان أن إقحام القضاء الدّولي في الدّفاع عن الحقوق والحرّيات لا يخلو من أهمّية ضرورة أنّه في صورة ما إذا اعتبرنا أنّ المشرّع الدّستوري يقصد باعتماده عبارة “الهيئات القضائية” كل ّالأجهزة القضائية على اختلاف مشاربها أي القضاء الوطني والقضاء الدّولي، فإن ّذلك سيكون له وقع واضح على منظومة حقوق الإنسان في تونس، مردّ ذلك أن ّتوسيع نطاق الرقابة القضائية الوطنية وتعزيزها برقابة دولية سيسهم، إلى حدّ كبير، في تلافي الانتهاكات ضدّ الحقوق والحرّيات الإنسانية بالنظر إلى أن ّتتويج القضاء الوطني في هذا المجال بقضاء دولي سيكون له تداعيات واضحة على المنظومة الأممية لحقوق الإنسان. وعلى هذا النحو، لا يسعنا إلا ّأن نراهن على دور المحكمة الدّستورية في توضيح معالم عبارة “الهيئات القضائية” ولكن في كلّ الحالات، لابدّ أن يأخذ القضاء الدّستوري، إبّان تأويله لأحكام الفصل 49، بعين الاعتبار الأهمّية القصوى التي يتبوّأها القضاء الدّولي في الذّود عن الحقوق الإنسانية الكونية وفي تعزيز المنظومة الأممية لحقوق الإنسان.

[33]يشير العميد عياض بن عاشور أنّ القاضي العدلي في القانون الفرنسي، على خلاف القانون التونسي، هو حامي الحقوق والحرّيات الفردية . في هذا السياق، يعتبر قرار Hiliaire الصّادر عن محكمة التنازع الفرنسية بتاريخ 13 ديسمبر 1947 الركيزة الفقه قضائية التي تؤسّس للفكرة القائلة بأنّ القاضي العدلي هو حارس الحقوق والحرّيات حيث قضت محكمة التنازع أنّ ” حيث أنّ حماية الحرّيات الفردية والملكية الخاصّة تدخل أساسا في اختصاصات السّلطة العدلية.”

« Pour la jurisprudence française, le contentieux de la voie de fait relève des tribunaux judiciaires pour deux raisons : la première est la disqualification de l’acte qui perd sa qualité d’acte administratif justiciable de la juridiction administrative, la seconde est qu’en droit français, le juge judiciaire est considéré comme le gardien des libertés individuelles… » Yadh BEN ACHOUR, Droit Administratif, Centre de publication Universitaire, 3ème Edition, p. 525.Tribunal de conflit, Hiliaire, 13 Décembre 1947, Jurisclasseur périodique N° 4087. « La sauvegarde de la liberté individuelle et de la propriété privée rentre essentiellement dans les attributions de l’autorité judiciaire ».

[34]Néji BACCOUCHE, « La justice comme nécessaire garant des libertés », in. Justice et démocratie, textes réunis par GABRIAU (S.), PAULIAT (H.), Actes du colloque organisé à Limoges, les 21-22 novembre 2002, Presses universitaires de Limoges, 2003, p.188.

[35]فاخر الزغل، “القاضي الإداري و الدّستور”، رسالة لنيل شهادة الدّراسات المعمّقة في القانون العام، كلّية الحقوق و العلوم السياسية بتونس، 2002-2003. ص. 1.

[36]قرار صادر في شأن القضية ع325ـــــــدد بتاريخ 14 أفريل 1981 بيار فلكون/وزير الفلاحة (غير منشور)

[37] Le nouveau Petit Robert, Paris 1996, p. 1080.

[38]Jean-Paul COSTA  « le principe de proportionnalité dans la jurisprudence du Conseil d’État », AJDA, 1988, p. 434.

[39]المحكمة الإدارية، قرار صادر في شأن القضيّة عــــــ3879ـــدد بتاريخ 14 مارس 1995 كريشان/ بلدية تونس.

[40] المحكمة الإدارية، قرار صادر في شأن القضيّة عـــــ26856ـــدد بتاريخ 23 ماي 2009 رئيس بلدية المهدية/ أم الزّين الضريف (غير منشور).

[41] Issam BEN HASSEN, Le contrôle des motifs de fait dans le recours pour excès du pouvoir, Thèse pour l’obtention du Doctorat en droit public, Edition PUBLISUD, Paris 2011 p. 222.

[42]قرار صّادر في شأن القضيّة عــــ17332ـــدد بتاريخ 29 ديسمبر 2000 رفيقة دريرة/ رئيس بلدية تونس (غير منشور).

[43] Yadh BEN ACHOUR, Droit Administratif, op. cit. 303- 304.

[44] Stavroula KTISTAKI, L’évolution du contrôle juridictionnel des motifs de l’acte administratif, Paris, L.G.D.J. , 1991. P. 93.

[45]المحكمة الإدارية، قرار صادر في شأن القضيّة عـــــ26856ـــدد بتاريخ 23 ماي 2009 رئيس بلدية المهدية/ أم الزّين الظريف (غير منشور).

[46] المحكمة الإدارية، قرار صادر في شأن القضيّة عـــــــ126863ـــدد بتاريخ 18 مارس 2014 حمزة الشيحاوي/ وزير الدّاخلية ( غير منشور).

[47] Tran VAN MINH, « Réflexions sur l’État de droit dans le tiers monde », in Mélanges Pierre François CONIDEC, Paris, L.G.D..J., 1985, p. 301. «  Pas de légalité sans hiérarchie des normes, c’est là une exigence connue à tout État de droit ».

[48] Jacques CHEVALIER, L’État de droit, Montchrestien, 5ème Edition, 2010, p. 68.

[49]« En l’absence d’une justice constitutionnelle, la constitution n’est qu’un programme politique, à la rigueur obligatoire moralement, un recueil de bons conseils à l’usage du législateur, mais dont il est juridiquement libre de tenir ou ne pas tenir compte… », Charles EISENMANN, La justice constitutionnelle et la haute cour constitutionnelle d’Autriche, Paris/ Aix-en-Provence, Economica, Presses universitaires d’Aix-Marseille, 1986, p. 22.

[50]محمّد رضا بن حمّاد ” المبادئ الأساسية للقانون الدّستوري و الأنظمة السياسية”، طبعة ثانية منقحة، 2010، ص. 315.

[51] Ali MEZGHANI, «La constitution et le principe de non régression », Article disponible sur le site suivant :

http://archive2013.maghrebemergent.info/contributions/idees/tunisie-la-constitution-et-le-principe-de-non-regression.html

« Le principe de non-régression sert à s’assurer du maintien des acquis réalisés par les générations antérieures au profit de générations actuelles et ceux réalisés par ces dernières au profit de celles à venir. Une génération, une majorité parlementaire, ne peut priver les générations actuelles de bénéficier des progrès déjà réalisés; elle ne peut priver les générations futures du renforcement de ces progrès. Certains acquis doivent en effet être considérés comme irréversibles. Ils constituent un seuil minimum qu’un législateur – fût-il constituant – ne peut remettre en cause »

[52] L’effet cliquet a été utilisé par la jurisprudence du Conseil constitutionnel français pour procurer une protection particulière à certaines libertés, concernant par exemple la presse, les professeurs d’universités ou la liberté d’association. Cette protection consiste à considérer comme inconstitutionnelles toutes les lois qui, au lieu de les rendre plus effectives, auraient pour objectif de revenir en arrière pour édicter un régime plus sévère ou restrictif ». Disponible sur le site suivant :

https://fr.wikipedia.org/wiki/Effet_cliquet

[53] « : Au regard de la jurisprudence constitutionnelle, l’effet cliquet recouvre des exigences de portées différentes, mais qui, toutes, intéressent la mise en œuvre par le législateur des droits et libertés consacrés par la Constitution. Dans une première formulation, le Conseil constitutionnel a précisé que certaines garanties offertes par la loi aux libertés ne pouvaient disparaître sans être remplacées par des garanties équivalentes. Puis il s’est montré plus directif, estimant qu’une loi ne peut réglementer l’exercice d’une liberté fondamentale qu’en vue de le rendre plus effectif et instaurant ainsi une sorte d’obligation a crescendo… ». Quel usage de l’effet cliquet par le juge constitutionnel ? — Questions à Caroline Boyer-Capelle, Maître de conférences en droit public à l’Université de Limoges. Lexbase Hebdo information juridique. Édition publique n˚304 du 10 octobre 2013. Disponible sur le site suivant :

http://www.presentation.lexbase.fr/sites/default/files/actualites/fichiers/n8837bth.pdf

[54]« S’agissant d’une liberté fondamentale, d’autant plus précieuse que son exercice est l’une des garanties essentielles du respect des autres droits et libertés et de la souveraineté nationale, la loi ne peut en réglementer l’exercice qu’en vue de le rendre plus effectif ». Décision n° 84-181 DC du 11 octobre 1984 à propos des entreprises de presse.

[55]Dominique ROUSSEAU, Droit du contentieux constitutionnel, L.G.D.J, 2013. P. 466.

[56] قانون أساسي عدد 50 لسنة 2015 مؤرخ في 3 ديسمبر 2015 يتعلّق بالمحكمة الدّستورية. الرّائد الرّسمي للجمهورية التّونسية 8 ديسمبر 2015.

[57] Olivier LE BOT, « Contrôles de constitutionnalité a priori et a posteriori en Europe», Lextenso, Les nouveaux cahiers  du conseil constitutionnel, 2013/3 N° 40. Article disponible sur le site suivant :

http://www.cairn.info/revue-les-nouveaux-cahiers-duconseilconstitutionnel- 2013-3-page-117.htm

[58] عبد الفتاح عمر “الوجيز في القانون الدستوري” مركز الدّراسات والبحوث والنّشر، كلّية الحقوق والعلوم السياسية بتونس. 1987. ص . 245.

[59] Dominique ROUSSEAU, « La question préjudicielle de constitutionnalité : un big bang juridictionnel ? », Revue du Droit Public, n° 3-2009.  L.G.D.J. p. 631.

[60]Ibid.

[61] ابن الأثير، المثل السّائر، الجزء الثاني ص. 64.

[62] الجاحظ، البيان و التبيين، دار الفكر 1990. الجزء الأوّل، ص. 88.