تعديل الإعلام السمعي البصري في تونس: النشأة والتطوّر

http://haica.tn http://haica.tn

يمثل الإعلام بالنسبة لأي دولة ديمقراطية – يكون فيها التداول على السلطة مضمونا وتكون فيها القوانين التي تضمن حرية التعبير والصحافة مستندة على المعايير الدولية – مرآة لكل السلطات الأصلية منها والمشتقة، حيث يمثل الإعلام بجميع محامله إطارا للتداول والنقاش والصراع والتفاعل بين مختلف الفاعليين السياسيين والاجتماعيين والاقتصاديين وأهل الثقافة والفن والأمنيين والمحامين والقضاء وعموم المواطنين.

هذا الدور يلقي على عاتق القائمين والمتداخلين في قطاع الإعلام والاتصال مسؤولية كبيرة، حيث تصبح وسائل الإعلام مطالبة في جميع الحالات بضمان حق النفاذ لها لكل حساسيات المجتمع الفكرية والدينية والعرقية والثقافية والجنسية وغيرها، وهي تعمل استنادا على المواثيق والمعاهدات الدولية المصادق عليها من قبل الجمهورية التونسية وأهمها أساسا العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية وخاصة المادة 19 منه.

هذه المقاربة تجعل من وسائل الإعلام خاضعة لمنظومة قانونية وحقوقية تعلي حقين أساسيين وهما حرية الاتصال السمعي والبصري وحق النفاذ إلى المعلومة وهي حقوق جوهرية إذا أردنا أن نتحدث عن إعلام حر ومهني، أما ممارسة هذه الحقوق فتخضع لمبادئ عامة وهي حسب المرسوم عدد 116 لسنة 2011 المؤرخ في 02 نوفمبر 2011 المتعلق بحرية الاتصال السمعي والبصري وبإحداث هيئة عليا مستقلة للاتصال السمعي والبصري وخاصة الفصل 05 منه، حرية التعبير، المساواة، التعددية في الأفكار والآراء هذا إلى جانب الموضوعية والشفافية.

وتمارس هذه المبادئ المشار إليها وفقا لضوابط حددها الفصل 05 من المرسوم عدد 116 لسنة 2011 المؤرخ في 02 نوفمبر 2011 وهي متعلق أساسا باحترام كرامة الانسان والحياة الخاصة، احترام حريّة المعتقد، حماية الطفولة، حماية الأمن الوطني والنظام العام، حماية الصحة العامة وأخيرا تشجيع الإنتاج الإعلامي والاتصالي الوطني.

وقد تم إحداث الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري وفقا لمقتضيات المرسوم عدد 116 لسنة 2011 للسهر أساسا على تنظيم قطاع الاتصال السمعي والبصري وضمان حرية الاتصال السمعي والبصري إلى جانب ضمان النفاذ إلى وسائل الاعلام على أساس قاعدتي التنوع والتعدد.

وتتمتع الهيئة التعديلية حسب المرسوم عدد 116 بولاية عامة في مجال اختصاصها بل واختصاص حصري.

وتعتبر تجربة احداث هيئة تعديلية تشرف على تنظيم قطاع الاتصال السمعي والبصري وضمان تنوعه وجودته قطعا مع إرث الدكتاتورية الذي كرّس ثقافة الصوت الواحد والرأي الأوحد عبر محاصرة حرية التعبير وحرية الاتصال السمعي البصري واجبار وسائل الاعلام الموجودة وقتها على قلّتها، على اتباع نسق واحد ومحاكاة خط النظام بل والذهاب بعيدا في الدعاية له مما أدّى إلى قمع كل نفس معارض وتكريس ثقافة الموالاة له إما طواعية أو إجبارا. وجاء تركيز الهيئة قطعا مع تجربة وزارة الإعلام والاتصال التي حاصرت أي إمكانية لتطوّر المشهد الإعلامي السمعي والبصري وجنّدت مريديها للدعاية للنظام السابق داخل تونس وخارجها ومنعت ظهور الفاعلين السياسيين المختلفين سياسيا معه على القنوات التلفزية والإذاعية.

إنّ توفّر منظومة قانونية وحقوقية دولية تضمن حرية الاتصال السمعي والبصري وحرية التعبير عموما وحق النفاذ إلى المعلومة وما إلى ذلك من المبادئ والحقوق، رافقه تطوّر مطّرد للمنظومة القانونية الوطنية في مجال ضمان حرية التعبير وذلك من خلال إصدار دستور جانفي 2014 وقبله المرسوم عدد 116 لسنة 2011 المؤرخ في 02 نوفمبر 2011، إلى جانب إصدار كراسات الشروط المتعلقة بالحصول على إجازات إحداث واستغلال قنوات إذاعية وتلفزية خاصة وجمعياتية من قبل الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري التي مثلت الإطار القانوني الذي عالج حالة الفوضى الإعلامية التي سادت بعد الثورة من خلال انبعاث عدة قنوات إذاعية محلية وجهوية دون حصولها على ترخيص في الغرض،

هذا التطور في الإطار التشريعي للاتصال السمعي والبصري ومواكبة المعايير الدولية المنظمة له، جعل تونس النقطة المضيئة الوحيدة في العالم العربي والقارة الافريقية، حيث ارتبط هذا التطوّر بالتغيير السياسي الحاصل من خلال تزامنية التطور الإعلامي والسياسي في إطار نظام سياسي تتوفر فيه شروط الحد الأدنى من التعددية في اتجاه بناء نظام ديمقراطي تحترم فيه حقوق الانسان وتضمن فيه حريّة التعبير للجميع.

إذا فالتطور السياسي الحاصل والحاجة لتطوير قطاع الاتصال السمعي البصري لمواكبة هذا التطور جعل مسألة الإعلام تحتل أعلى سلم القضايا المطروحة على طاولة النقاش العام بين الفاعلين السياسيين والإعلاميين ومكونات المجتمع المدني التي تعمل في مجال الدفاع عن حقوق الانسان وأهمها التي تعمل في حقل الدفاع عن حرية التعبير.

هذه التجربة الفريدة في العالم العربي في حاجة اليوم إلى التعريف بها ونقاش مختلف جوانبها حتى نتمكن أولا من تسليط الضوء على مختلف جوانبها ومن جهة أخرى الوقوف على هناتها والإشكاليات التي تثيرها لمساعدة أصحاب القرار والفاعلين على تجاوزها ومحاولة إيجاد حلول لها.

المرسوم عدد 116 لسنة 2011: مكسب يثمن رغم النقائص

في تعديل الهيئة التعديلية للقطاع عموما

تمت صياغة المرسوم عدد 116 لسنة 2011 المؤرخ في 02 نوفمبر 2011 المتعلق بحرية الاتصال السمعي والبصري وبإحداث هيئة عليا مستقلة للاتصال السمعي والبصري في إطار نضالي اتسم بارتفاع منسوب حريّة التعبير بعد نجاح ثورة 14 جانفي 2011 وهو ما أسهم في تضمنه لجملة من المبادئ والحقوق إلى جانب الضوابط التي تنهل أساسا من المعاهدات والمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والحريات العامة، ضمن فلسفة تحررية، تعتبر أن حرية التعبير هي الأصل وأن تقييدها هو الاستثناء في ارتباط وثيق مع الفصل 49 من دستور الجمهورية التونسية الذي يؤكد أن التقييد من الحقوق لا بد أن يكون استثنائيا وأن لا يمس من جوهر الحق المراد ضمانه وحمايته.

وفي هذا الإطار يؤكد الفصل 15 من المرسوم عدد 116 أن الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري تسهر على دعم الديمقراطية وحقوق الانسان وسيادة القانون وعلى دعم حرية التعبير وحمايتها ودعم حقوق العموم في الاعلام والمعرفة من خلال ضمان التعددية والتنوع في البرامج المتعلقة بالشأن العام، هذا إلى جانب أنها تسهر على إرساء مشهد سمعي وبصري تعددي ومتنوع ومتوازن يكرّس قيم الحرية والعدالة ونبذ التمييز على أساس الأصل أو الجنس أو الدين، وتدخل هذه المهام في الاختصاصات الرقابية والتقريرية للهيئة وبالتالي فهي صلاحيات أساسية تمثل جوهر عمل الهيئة وتضعها موضع المدافع عن حرية التعبير والقيم الديمقراطية والضامن لها على مستوى وسائل الإعلام السمعية والبصرية.

وقد منح المرسوم عدد 116 لسنة 2011 للهيئة صلاحيات ترتيبية لتمكينها من تنظيم قطاع الاتصال السمعي والبصري، وقد ترجمت ذلك من خلال وضع كراسات الشروط المتعلقة بالحصول على إجازات إحداث واستغلال قنوات تلفزية وإذاعية خاصة وجمعياتية، التي مكنتها من تجاوز حالة بث بعض القنوات الإذاعية دون حصولها على إجازة وتمكنت تبعا لذلك من تنظيم القطاع وتجاوز حالة الفوضى التي تفاقمت بعد 14 جانفي 2011.

كما منح المرسوم عدد 116 لسنة 2011 الهيئة صلاحية تنظيم قطاع الإشهار في القنوات التلفزية والإذاعية من خلال استصدار القواعد السلوكية للإشهار إلى جانب ضبط المعايير ذات الطابع القانوني أو التقني لقياس نسب الاستماع والمشاهدة لمختلف القنوات التلفزية والإذاعية.

إن كافة هذه الصلاحيات وغيرها التي لا يسمح الإطار بتعدادها وتفسيرها وتعميق النقاش فيها، تدخل في مجال الاختصاص الحصري للهيئة التي أسندها المرسوم سلطة ترتيبية عامة في مجال اختصاصها وهو ما تم ترجمته من خلال اصدار نصوص ترتيبية عوضت النقص الحاصل في المرسوم عدد 116 لسنة 2011 ومكنت من الدفع في اتجاه مزيد تطوير قطاع الإعلام السمعي والبصري، ويبقى الإطار القانوني المرتبط بمجال تدخل الهيئة الترتيبي في حاجة لمزيد التطوير والتدقيق، والمجال لا يسمح فعلا لتفصيل ذلك.

في تعديل الهيئة التعديلة للمضامين الإعلامية:

فيما يتعلق بالمضمون الإعلامي الذي تبثه مختلف القنوات التلفزية والإذاعية العمومية، الخاصة والجمعياتية، يتضمن المرسوم عدد 116 لسنة 2011 وكراسات الشروط المتعلقة بالحصول على إجازة إحداث واستغلال قنوات تلفزية وإذاعية خاصة وجمعياتية، عدة فصول وأبواب تعنى بالمحتوى الإعلامي ومدى تقيده بالمبادئ والضوابط الواردة بالمعاهدات والمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الانسان والحريات العامة.

ويؤكد المرسوم المشار اليه أن الهيئة تسهر على مراقبة المحتوى الاعلامي الذي تبثه على مختلف القنوات التلفزية والاذاعية ومدى التزامها بشروط النزاهة والموضوعية واحترام كرامة الانسان والحياة الخاصة وحماية الطفولة وعدم التمييز ضد المرأة واحترام حرية المعتقد وعدم التمييز على أساس الدين أو العرق أو الجنس وتجنب بث خطاب يحرّض على الكراهية أو العنف أو القتل.

ويتضمن المرسوم عدد 116 لسنة 2011 إجراءات تعهّد الهيئة بمراقبة المحتوى الاعلامي، وبالاطلاع عليها يتبيّن أن المرسوم سيّج مجال تدخّل الهيئة عبر وضع إجراءات تحقق التدرج في تسليط العقوبات على القنوات التلفزية والإذاعية المخالفة وتضمن حق الدفاع بالنسبة للمخالف وتمكنه أيضا من آجال معقولة للتفاعل والرد الكتابي على المخالفات المنسوبة إليه، وهو ما يمكّن من التفاعل بين الهيئة التعديلية والقناة القائمة بالخرق وتجاوز الصيغ العقابية البحتة إلى صيغ بيداغوجية تقوم على مرافقة القنوات التلفزية والإذاعية في سبيل الارتقاء بالمحتوى الاعلامي المعروض نحو مهنية أكثر واحترام لقواعد المهنة الصحفية بعيدا عن كل أشكال الاثارة أو الاساءة لأي شخص أو جهة.

من جهة أخرى، مكن المرسوم 116 الهيئة التعديلية من آليات أخرى مستعجلة في حالة ارتكاب أخطاء أو خروقات جسيمة من شأنها الإساءة لفرد أو جهة ما ويمكن أن يكون لها تأثير مباشر يصعب تداركه، وهي آليات استثنائية طبعا ولا يتم اللجوء لها إلا في الحالات القصوى كما أشرنا.

إن الفلسفة التي يقوم عليها المرسوم عدد 116 في تنظيمه لمسألة تعديل المشهد الإعلامي من ناحية المضمون المعروض هي فلسفة تكرّس البعد البيداغوجي والبعد العقابي في الآن ذاته، عبر وضع آليات تسمح للقائم بالخرق بتجاوز وضعية الاخلال وذلك بمنحه آجال معقولة لذلك ولكنها في الآن ذاته تمنح الهيئة التعديلية سلطة العقاب في حالة عدم الالتزام والامتثال، وهي مراوحة تمثل جوهر عملية تعديل الإعلام في تونس والعالم،

ذلك أن المقاربة التعديلية لا يمكن أن تكون قانونية صرفة فنسقط في الشكلانية والطابع الزجري الذي لا يتناسب مع القطاع الاعلامي ومع الحق في حرية التعبير ، وبالتالي فالتزامنية بين المقاربة القانونية والمقاربة البيداغوجية من أهم الخصائص الذي يتسم بها تعديل الإعلام.

وهنا يمكن أن نشير لخطة الموفق الإعلامي صلب المؤسسات الإعلامية، التي أظن أنها تمثل ضرورة بالنسبة للقنوات التلفزية والإذاعية، فدور الموفق الإعلامي يبدو جوهريا في التقليل من الإخلالات صلب المؤسسة الإعلامية عبر تلقي ملاحظات الجمهور المتابع أو المستمع ومحاولة إتباع منهج بيداغوجي داخلي استنادا على ميثاق مهني تضمن فيه جملة من المبادئ والضوابط المتعلقة بحقوق الانسان وبأخلاقيات المهنة الصحفية.

فاتباع منظومة التعديل الذاتي وتوازي المسارات بين التعديل والتعديل الذاتي قد يساعد على تطوير المشهد الإعلامي والتقليل من الإخلالات المسجلة على القنوات التلفزية والإذاعية وخاصة الارتقاء بالمشهد في اتجاه خدمة المشاهدين وتقديم المعلومة الدقيقة لهم بعيدا عن كل أشكال الإثارة أو المس من الأفراد والجهات وغيرها.

التعديل والقانون: هل من علاقة؟؟

إن الحاجة اليوم اصبحت ملحة للإلمام بمفهوم تعديل الإعلام والمفاهيم المجاورة له، على المستوى الأكاديمي على الاقل، فالعلاقة بين الإعلام والقانون مترابطة لدرجة أنه يمكننا أن نقول أنه “لا يمكننا أن نفكّر في الإعلام دون أن نستحضر القانون” وبالتالي نحن اليوم في حاجة إلى تدريس مادة تعنى بتعديل الإعلام السمعي البصري والترابط بين الإعلام والقانون في كليات الحقوق والعلوم القانونية.

وأعتقد جازما أن التفكير في تطوير المشهد الإعلامي يجب أن يمر حتما عبر تكوين جيل من الطلبة والأكاديميين يمتلك القدرة على التعامل مع مفاهيم تبدو غريبة عن المجال القانوني الصرف حتى نتمكن من تطوير فقه القضاء في مجال تعديل الإعلام الذي لا يزال متلعثما باعتبار أن تجربة تعديل الإعلام في تونس لا تزال فتيّة.

إن استعراض جملة المفاهيم المنظمة لتعديل الإعلام في تونس، لا يمكن أن يستوعبه مقال وحيد مهما حاولنا الاختصار، وبالتالي فالضرورة أصبحت ملحّة لكتابة سلسلة مقالات قانونية تفسّر “التعديل” وتشرح النصوص القانونية المنظمة له في سبيل إنارة المتدخلين في القطاع من مهنيين وجمهور إلى جانب الطلبة الراغبين في التخصص في هذا المجال حول مختلف هذه المفاهيم وحول التجربة عموما.