“مخطّط في جزئين”: اللامنطق باسم المنهجية

تعج منظومة تدريس القانون وكلياته في تونس بالأساطير والتابوهات (tabous) والأحاجي والأسرار والمقدسات التي لا يجوز المساس بها ويتوجب فيها الاعتقاد دون الانتقاد. ولعل من أهم هذه المقدسات المخطط الذي يتكون من جزئين (يتفرع كل منهما بدوره إلى جزئين) والذي يطلب من الطلبة اليافعين بناء مواضيعهم النظرية بل وكذلك مذكراتهم البحثية وأطروحات الدكتوراه طبقا له.

 وقد حيكت حول المخطط الثنائي أساطير عدة في أوساط الطلبة بل وحتى المدرسين. وتروى قصص عن ملاحم كبيرة أبطالها طلبة محيت أسماءهم من الذاكرة وبقيت إنجازاتهم وبطولاتهم شاهدة عليهم على مرّ الأجيال متمثلة في مخططات ثنائية أشبه ما تكون بوصفات سحرية يتوارثها الطلبة دفعة بعد دفعة وتتناقلها الألسن في حديقة الكلّية والمشرب وقاعات المطالعة بل وحتى في غرفات المبيتات الجامعية التي يغشاها البرد والرطوبة. كيف نتوصّل إلى المخطط الثنائي؟  وهل أن لكل موضوع نظري مخططا ثنائيا واحدا أم أن الإمكانيات مفتوحة؟ وماهي المخططات الثنائية المرفوضة لطابعها المفرط في الكلاسيكية والتي تشي بسطحية التفكير أو عدمه أصلا؟ وما مدى تأثير المخطط في العدد النهائي ومن من المدرسين يعطي المخطّط أهمية قصوى ومن يمتاز بالمرونة بل والصفح عن الهنات البسيطة طالما حضرت المعلومات؟

هذه الأسئلة التي لابد أنها خامرت ذهن كل من عبر زورق حياته بحر القانون تبرز أن تأكيد المدرسين على المخطط الثنائي واهتمام الطلبة به إنما بلغ درجة الهوس الذي يشل التفكير تقريبا عوض ن يحفزهأن يحفزه. لقد صار المخطط ثنائي الأجزاء غير قابل للنقاش في كليات القانون التونسية وفي جل الأوساط الأكاديمية على اختلاف أجيالها بل وأصبح عنوانا للتفكير القانوني السليم والعميق وركنا أساسيا من أركان المنهجية القانونية ودليلا على النضج والذكاء والكفاءة والتمكّن.

 غير أننا ودون أن ندّعي أن ما سنقدمه في هذه السطور هو الحقيقة الوحيدة فإننا سنقدم وجهة نظر مغايرة ندعو قارئينا إلى التمعن فيها وعدم التحامل عليها ومقارعة الحجة بالحجة إذا لم نتوفّق في إقناعهم. وما نروم بسطه في هذا المقال أطروحة بسيطة. ألا وهي أن المخطط ثنائي الأجزاء كشكل وحيد أو حتى مفضّل لبناء المواضيع القانونية ليس ضرورة منطقية بل وأبعد من ذلك هو منافاة للمنطق وضرب للمنهجية السليمة كما أنه لا يخلو من سلبيات على المستوى العملي البحت.

إننا واعون أن هذا الطرح سيبدو في نظر البعض تهديدا لصرامة التفكير القانوني ومحاولة للعبث بمنهجيته ولكننا نقدم ثلاثة براهين للاستدلال على جدية مقولتنا:

المخطط ثنائي الأجزاء هو بدعة في تاريخ الكتابة القانونية

لا يتساءل مدرّسو القانون عموما عن أصل المخطط ثنائي الأجزاء ونشأته. ولو طرحت السؤال على أغلبهم لما وجدت مجيبا. وأغلب الظن أن العديد منهم يحسبه صنوا للكتابة القانونية ظهر بظهورها ورافقها في كل آن ومكان. والحقيقة أن المخطط ثنائي الأجزاء ظهر في فرنسا ولمع نجمه خاصة بعد الحرب العالمية الثانية. ولم يكن البتة من التقاليد الراسخة في الكتابة القانونية لا في الجامعات الأوروبية ولا حتى في الجامعات الفرنسية ذاتها. غير أن هذا المخطط كان يتوفر على نقطة إيجابية آنذاك جعلته المخطط المحبذ لدى الأساتذة ألا وهي أن المخطط الثنائي يدفع الطلبة لاختزال إجاباتهم في عنصرين اثنين مما يجعل عملية إصلاح الفروض سهلة وسريعة. وبفعل الزمن وقع إكساء الاعتبارات العملية طابعا منطقيا ومنهجيا. وصار الطالب المتميز والجيّد هو ذاك الذي يبني إجابته عن الإشكالية القانونية المطروحة في جزئين ينقسم كل منهما إلى جزئين فرعيين. إذن فالمخطط الثنائي ليس شكلا سرمديا للمواضيع القانونية وليس الشكل الوحيد بل هو شكل مستحدث  يمكن موضعته في الزمان والمكان ويدخل في تفسير ظهوره وتركيزه طبع مدرسة قانونية معينة وتقاليدها.

المخطط ثنائي الأجزاء ليس ضرورة منطقية

في إطار دفاعهم عن المخطط الثنائي يقدم بعض مدرّسي القانون في تونس، خاصة من جيل الشباب (ونحن نكن لهم كل الاحترام والتقدير ومشاعر الصداقة)، حججا تقوم على القول بأن  المخطط الثنائي أكثر “منطقية” وأشد التصاقا بالمنهجية القانونية. بل إن البعض ذهب إلى البحث عن أساس فلسفي له بالقول بأن الكون ذاته مبني على الثنائيات (les dichotomies) ويصبح بالتالي حسب رأيهم منطقيا بل وعين المنطق أن تبنى المواضيع القانونية النظرية بمنطق ثنائي. وهذا الرأي مردود على أصحابه لأسباب عدة:

  • لقد تجاوزت العلوم الحديثة النظرية التي تقول بأن الكون والعلوم مبنيان على الثنائيات، وحتى وإن سلمنا جدلا بصحة هذه النظرية فما علاقة ذلك بالموضوع النظري الذي ينجزه طالب قانون للإجابة عن إشكالية معينة أي في النهاية عن تساؤل معين؟ هل أن المواضيع النظرية لطلبة القانون مطالبة بأن تكون انعكاسا للكون ونواميسه؟
  • إذا وجدت خمس عناصر مختلفة مثلا للإجابة على إشكالية معينة ولا يمكن الجمع بينها فأيهما اقرب للمنطق: أن أترك ماهو مختلف ومنفصل على حاله أم أجمعه في جزئين عنوة وقسرا؟ من منّا لم يجد نفسه في هذه الوضعية الحرجة أثناء إنجازه لفرض؟ وكم من طالب ينجح في التمويه بعض الشيء على الطابع التعسفي للجمع بين المختلفات فيسقط في فخ انخرام التوازن بين الجزئين؟ وفي هذه الحالة ألا يصبح المخطط الثنائي نقيضا للمنطق السليم وتعسّفا على أبسط القواعد المنهجية التي تسعى لبسط الأفكار بشكل واضح، سلس ومتوازن؟
  • فضلا عن كون وجوبية المخطط الثنائي أو أفضليته القصوى لا وجود لها في الدول الأنغلوسكسونية فلا نجد اليوم عموما كبير أثر له في فرنسا ذاتها في كتابات كبار أساتذة القانون سواء المقالات أو الكتب ولا نفهم لماذا يتحرّر الأساتذة والقانونيون المتمكّنون من قيود المخطط الثنائي في حين يقع تكبيل الطلبة اليافعين بقيوده؟

يردّ المدافعون عن المخطط الثنائي على هذا التساؤل بكون الغرض من المخطط الثنائي هو حمل الطلبة على صياغة مواضيعهم وتفكيرهم بشكل منطقي وتعويدهم على ذلك ! أفلا يكون التفكير منطقيا إلا إذا كان في جزئين؟ ألسنا نضحّي بالمضمون وبالمنطق والمنهج السليم على محراب الشكل؟ ألا يتحول الشكل الأجوف والمسقط والمتهافت الذي يجد الطلبة أنفسهم غالبا مضطرين إليه إلى سجن للمضمون والفكرة وقيد يقتل فيهما كل حرية وكل معنى؟

لو كان للمخطط الثنائي كل الفوائد والحسنات التي يعدّدها المدافعون عنه والمتمسكون به لكنّا لمسنا له أثرا ولو ضئيلا في قرارات المحاكم  بدءا بالتونسية منها مرورا بغيرها من المحاكم الوطنية في فرنسا والولايات المتحدة ووصولا إلى المحاكم الإقليمية كمحكمة العدل الأوروبية أو الدولية كمحكمة العدل الدولية.

ولو كان المخطط الثنائي هو المنهج الأفضل والأكثر منطقية لإنجاز المواضيع النظرية فلماذا نرى العديد من الذين يؤمّنون حصص المنهجية للطلبة يحضّونهم ليلا نهارا على الإتيان بمخططات ثنائية في حين يحجمون  (حتى لا نقول يعجزون) هم أنفسهم عن الإتيان بمخطط واحد؟ وكم هو سهل تبرير هذا الموقف بعدم الرغبة في التأثير على الطلبة حتى لا يظنوا أنه هو المخطط الوحيد الممكن!

المتمسّكون بالمخطّط الثنائي باسم المنهجية القانونية يعطون –عموما- لطلبتهم نصائح واضحة ودقيقة في خصوص عناصر المقدّمة ولكنّهم لا يمكّنونهم من الأدوات المنطقية التي تجعل من الاهتداء إلى مخطّط في جزئين طبيعيّا وممكنا ويسيرا. المخطّط الثنائي ليس حقيقة إما ندركها أو تغيب عنّا. إنما هو إمكانية ورؤية وخيار شأنه في ذلك شأن المخطّط الحرّ، تمليها طبيعة كل موضوع وزاوية النظر إليه بل وحتى خلفيات المجيب عن السؤال وأولوياته.

المخطط الثنائي عائق أمام الكتابة والنشر

أخيرا لابد من القول أن أحد الأسباب الكثيرة التي قد تفسّر ندرة الكتابات القانونية في تونس هو تمسّك البعض خاصة عندما يتعلق الأمر بكتابة مقال قانوني بالمخطط الثنائي. فالباحث الشاب في القانون بعد أن اعتصر ذهنه اعتصارا طيلة سنوات الدراسة في البحث عن الوصفة السحرية للمخطط الثنائي لا يكون متحمّسا لإعادة الكرّة ومعايشة تجربة لا يختلف اثنان في كونها غالبا ما اقترنت بالخوف والريبة والمرارة بل وحتى بالاعتباطية. هذا عن الكتابة في حد ذاتها، أما النشر فإن المخطط الثنائي يمثّل فيه عائقا أكبر للقانونيين التونسيين وتحديدا في النشريات الأجنبية ضرورة أن التقيّد بالمخطط الثنائي يضفي على مقالاتنا طابعا مدرسيا (scolaire) يوحي لدى المقيّمين (les évaluateurs) الأجانب (عن خطاء للأسف الشديد) بعدم تمكن الباحث وعدم تخلّصه من جلباب الطالب وبقاءه حبيسا للشكل على حساب المضمون.

إن الهدف من هذه السطور ليس القطع البات مع المخطط الثنائي الأجزاء أو اعتباره خطأ منهجيا في حد ذاته وإنما إزاحة هالة القداسة التي نشأت حوله واعتباره سواء للمخطط الحر والتأكيد على الطلبة منذ خطواتهم الأولى في كليات القانون بأن الأهم ليس عدد الأجزاء في نصوصهم بل وضوح الأفكار وتسلسلها وقوة البرهان ومنطقيته.

LEAD Tunisia’s project, MetaLaw is an online journal for law students and young professionals to publish their thoughts and analysis on legal matters.

MetaLaw

Tunisia 2022